كلما تطورت التقنية، و أتاحت للناس حلولا مرنة، وقدمت إجراءات أسهل، تختصر العناء، وتُسرّع من عملية تنفيذ العديد من الأعمال. كلما زاد حجم انشغال الناس بشكل جنوني ومستمر. فمثلاً، في السنوات الأخيرة، أصبح الجميع يبالغ في درجة الانشغال، وفي تضخيم حجم الأعمال، التي عليه القيام بها، مقارنة بضيق الوقت المتاح. لدرجة وصلت لعدم تمكن الفرد، من إيجاد الوقت الكافي، للراحة أو النوم، أو حتى قضاء وقت مع الأسرة.
وعلى سبيل المثال، تجد في بيئة العمل بالذات، من يتهور باستخدام عذر الانشغال بشكل مستمر، ليتملص من مسؤولية إنهاء مزيد من الأعمال. دون أن يدرك، بأن ذلك ليس بالضروري، دليلاً قاطعاً، على أنه فعلا بتلك الدرجة من الانشغال. بل يعطي انطباعا عكسيا في أغلب الأحيان، بأن الموظف غير كفؤ ، وغير قادر على إنهاء أعماله، في الوقت المحدد أو المطلوب منه. بل تكشف نسبة إنجازه للعمل، بأنه كان يهدر الكثير من الوقت، دون طائل، مقارنة بحجم وجودة المخرجات.
وعلى المستوى العائلي، تجد كلمة
“ مشغول” الأسوأ والأكثر استخداما، بين أفراد الأسرة والأقارب، بشكل مبالغ به للغاية. الأمر المؤسف حقاً، الذي لا يعيه ولا يراه الأشخاص، الذين اعتادوا استخدام هذا العذر، بأنهم يتسببون بضرر نفسي كبير، في نفوس من يكنّون لهم، أهمية وعاطفة كبيرة، أو يمثلون في حياتهم القدوة. فحين يتذرعون بالانشغال دوماً، فهم بذلك يعبرّون بشكل غير مباشر، عن عدم أهمية الآخرين بالنسبة لهم. ولا يشعرون بإن تكرار هذا العذر، قد يقلل من مصداقيتهم، ويفقد الاخرين الثقة بهم، أو يصنع فجوة، في نفوس الصغار مثلا، أو من يحبونهم ويهتمون لأمرهم.
والمشغولون في رأيي الشخصي، ثلاثة أنواع؛ نوع يدّعي الانشغال المستمر، للتباهي بأهميته بين الناس، كنوع من الوجاهة. فيعتقد بأنه كلما أبدى انشغاله، كلما زادت قيمته ومكانته الاجتماعية أهمية بين الناس. فتجد تعبيره بالانشغال، يأتي بطريقة توحي للآخرين بأن الحياة ستتوقف دونه. الى أن يُقنع ممن حوله، ويبدأون بالإعتذار نيابة عنه، بتفهم وتقدير كافٍ، يشعره بالرضى والسرور.
ونوع يعتبر كلمة “ مشغول” عبارة سحرية، وأسهل كلمة قد يستطيع استخدامها، للتملص والتهرب من المسؤوليات، خاصة الواجبات الأسرية، التي تتطلب القيام بدور رئيسي مثلاً. وعادة ما يدرك أغلب من يحيطون به، بأنه أفاق وغير صادق، وغير كفؤ لتحمل المسؤولية، لكثرة تعذره الدائم بالانشغال.
والنوع الثالث وهو الأضعف. فتجده يحتمي وراء كلمة “مشغول”، لتخليص نفسه، والهروب من المأزق، لأن ليس لديه القدرة على الرفض، خاصة حين يريد أن يفر من موقف محرج، او يبرر السبب، وراء عدم وفائه بوعوده مثلاً. كما أن الشخص الذي يبرر تقصيره وغيابه، بالانشغال طوال الوقت ،لا يدرك في تلك اللحظة، بأنه يقدم دليلا واضحا جداً، على أن مسألة تحديد الأوليات، وإدارة الوقت لديه سيئة للغاية.
أما الذين ينشغلون حقاً، دون تظاهر ، ودون مبالغة. فهم الذين يعرفون جيداً، كيف يرتبون وقتاً، للأولويات في حياتهم، بحيث لا يسرقها الانشغال بأي عمل، مهما كان حجمه.
توقف عن ترديد كلمة “مشغول”، حتى لو كانت طوق النجاة بالنسبة لك، أو أعتدت أن تنقذك، وتغلق لك النوافذ والأبواب المشرعة أمامك. تكرارك لعذر الانشغال، أصبح مع الوقت إشارة واضحة، على عدم الصدق وعدم الاهتمام. فلا يوجد إنسان مشغول طوال الوقت، بل يوجد من يعرف، كيف يوازن، ويصنع مساحة ووقتاً، لنفسه ولأولوياته، وللآخرين.
اليمامة- 11/02/2021