
دفعتني الظروف العام الماضي، للهبوط في مطار الدوحة لأول مرة في حلته الجديدة، والذي لا يكفي مقال واحد لوصف جماله وتفاصيله الراقية. فمن كان يعتقد بأن مطار هيثرو الأفضل على سبيل المثال، اعتقد بأنه سيغير رأيه، حين يرى التحفة المعمارية، التي وصل اليها مطار الدوحة. وكأي مواطن خليجي، يزور دولة خليجية، شعرت بالغبطة والحماس، كمن سيلتقي بأبناء عمومته بعد غياب. فما ان رأيت ابتسامة موظفي وموظفات الجوازات، حتى شعرت بأنني في وطني وبين اهلي. وما ان تعديت منطقة الجوازات، حتى اختفى الوطن والأهل والانسان القطري، والهوية القطرية تماماً، ولم أجد لها أثر في الساعات التي قضيتها في الدوحة. وعلى الرغم من جمال المطار المثير للأعجاب، الا ان روعته لم تبدد ذلك الثقل والغربة التي اعترتني آنذاك، فلوهلة شعرت بأنني في بومباي الحديثة، ثم شعرت بأنني في مانيلا، ثم تشتت احساسي بهوية المكان. وهذا الشعور المثقل بالهزيمة، ليس بجديد، بل كان يزداد ثقلاً وغصة داخل نفسي، في كل مرة أزور فيها دبي العزيزة، فبعد الجوازات ايضاً كان الانسان الاماراتي يختفي، ويصبح وجوده نادر في الأماكن العامة، فأتمنى ان اصادفه في الطُرق، وبين المباني الشاهقة، وفي المجمعات، فلا أجد سوى طبقاتٍٍ كثيفة من كل الجنسيات، التي أصبحت تحجبه بقوة عن مرمى الانظار.
والامر المزعج المشترك في المطارات الخليجية، بأن اغلب الهدايا التذكارية، تحمل صورة ذهنية نمطية تُسطح الهوية الخليجية، وتُصدرها في صورة ” صحراء وجمالٌ وردية”، التقطها ضيق الأفق، والجهل بتاريخ دول الخليج الثرية، وعمق تراثها الثقافي، الذي تم حصره في إطار واحد، واختزاله في ” الصحراء والجمال فقط. فكيف تركنا تلك الصور الباهتة عن هويتنا تتكاثر، وتُعلّق على جدار مداخل الوطن الخليجي!
وإذا تمعنا في إحصاءات سكان الخليج، سنجد بأن عدد سكان قطر، بلغ ٢.٤ مليون نسمة مع نهاية ٢٠١٥، يشكل الوافدين فيها أكثر من ٧٠٪، حيث تحتل الجالية الهندية المركز الأول في الكثافة، ضمن أكثر 5 جنسيات تتواجد بكثرة في دولة قطر، تليها الجنسية النيبالية، ثم الجنسية القطرية ثم الفلبينية فالمصرية.
وفي مملكة البحرين بلغ عدد السكان ١.٣ مليون نسمة تقريبا، يشكل الوافدين أكثر من ٥٤٪ من اجمالي السكان، احتل الهنود فيها المركز الأول من حيث الكثافة ايضاً. ومع نهاية النصف الأول من عام ٢٠١٦، بلغ سكان سلطنة عمان ٤.٤ مليون نسمة تقريباً، من بينهم ما يقارب ١.٨ مليون وافداً، يقيم اغلبهم في مسقط حيث تجاوز عددهم في فترة ما عدد السكان الأصليين في العاصمة. كما يبلغ سكان الكويت ٤.٣ مليون نسمة تقريباً. يشكّل الوافدين ايضاً بينهم أكثر من ٧٠٪، وتتشارك جميع دول الخليج هذه الظاهرة. حتى السعودية التي بلغ عدد سكانها ٣١.٧ مليون نسمة تقريبا، ويشكل السعوديون فيها نسبة ٦٧٪ – أي ما يعادل ” ٢١.١ مليون نسمة، والوافدين نسبة ٣٣٪ ما يعادل ١٠.٥ مليون نسمة. الا ان هذا العدد المهول سبب صدمة للرأي العام في الشارع السعودي، الذي لم يهدأ عن مطالبة وزارة العمل بحل عاجل، لخفض عدد الوافدين، في ظل أزمة شح الوظائف بين المواطنين.
وهذا الخطأ الفادح في التركيبية السكانية، امر في منتهي الخطورة، يهدد بأزمات محتملة، قد تقع في أي لحظة اثناء كتابة هذه الكلمات. اذ لا يوجد كارثة سكانية، ممكن ان تحل على أي دولة، مثل ان يستيقظ أهلها يوماً، ليجدوا عدد الوافدين والزائرين، أكثر من عدد السكان الأصليين. نتفهم ان لكل دولة ظروفها وأسبابها الخاصة، ولكن أيعقل ان لا تُحدد وزارات العمل في الخليج، نسبة تتوقف عندها تلك الملايين التي تتدفق. والتي أصبح لكثافتها تداعيات على ارض الواقع، وأثرت سلباً على الأمن والاستقرار ، وعلى ديمغرافية الخليج بصفة عامة. ففي السعودية فقط، حين زادت العمالة زادت جرائمهم، وتعددت اساليبهم وتجاوزت مراحل الغش في السلع ،والمتاجرة بالمواد الغذائية المنتهية الصلاحية، الى تكوين مصانع وثكنات تدار فيها جميع الجرائم والمخالفات. ولنقس على ذلك بقية دول الخليج.
و أكثر ما ينبغي ان يخشاه وزراء العمل في دول الخليج الآن، ان يأتي يوماً، ويجدوا العمالة بصفة عامة والهندية بصفة خاصة، تسيطر على صناعة القرار الاقتصادي داخل الدولة الواحدة. خاصة بعد ان فُتحت لهم الأسواق الخليجية للاستثمار على مصرعيها. دون الحذر من تاريخ الاطماع الاستعمارية السابقة في الخليج، فإذا تمعنا النظر داخل مؤسساتنا وشركاتنا اليوم، سنجد بأن الصمت الذي لجأنا له لسنوات طويلة، كيلا نُتهم بالعنصرية وضعنا الآن امام ورطة، لن نعرف كيف نتخلص منها او نعالجها بهدوء ودون خسائر. خاصة بعد ارتفاع نسب البطالة في بعض دول الخليج مثل السعودية.
ينبغي ان نتذكر بأن الخليج العربي. يجب ان يبقى عربياً، وليس هندياً او فلبينياً او ايرانياً. فتلك الجنسيات، لها ثقافة وهويه خاصة بها، فلا يمكن ان نتركها تلغي الهوية الخليجية او تطغى عليها بحجة التنمية والتطوير. أمن الخليج، وتوازن مجتمعاته، وحماية هويته، مسؤوليتنا جميعاً، فينبغي ان نحرص معاً على تحقيق ذلك اثناء التصحيح، لتبق هوية الخليج العربي.. عربية.
2017- مُنع من النشر