” مديون وعاطل، ووضعي النفسي والمعيشي يزداد سوء يوما بعد يوم ”
هكذا بدأ ” حامد” رسالته التي وصلتني الأسبوع الماضي، قبل ان يسرد بها معاناته في أكثر من محطة،
يقول ” حامد” بدأت معاناتي بعد ان قدمت على صندوق المئوية عام ٢٠٠٧، فرفضوا طلبي لأنني كنت اعمل، فاضطررت ان افصل من وظيفتي لأحقق الشرط وأفتح مشروعي. بعد ان تمت الموافقة، تأخرت عملية صرف الشيكات من بين ٦ – ١٢ شهر، فتم اقفال المشروع. والمؤلم ان صندوق المئوية، وقع مع بنك التسليف عقد تمويل، ولأن لدي قرض سابق، كنت قد اخذته حين كنت اعمل، وضع اسمي على القائمة السوداء ولم أتمكن من الحصول على تمويل.
أخذت أبحث عن ممول، يكون في الاساس مستثمر، ولكن للأسف كان يُطلب مني كل مرة طلبات مثل دراسة جدوى، ومخططات الأرض، وغيرها من الأمور التي تتطلب دفع مبالغ ماليه.
فاضطررت لدخول المسابقات المتخصصة في المشاريع الصغيرة والمتوسطة، والتحقت بورش العمل للاحتكاك بالشباب من ذوي الخبرة وأصحاب العمل، فاشتركت في مسابقة نماء المدينة عام ٢٠١٥ وكنت من ضمن المجموعة الأولى، حيث أعجب مشروعي جميع الحاضرين، ولكن في لحظة، وجدت نفسي خارج المسابقة دون سبب.
توجهت لمجموعة عقال لدعم المشاريع وطرحت الفكرة ثانية، فتم رفض المشروع دون نقاش، فقدمت في موقع برنامج تسع أعشار المتعاون مع جامعة الملك عبد الله، وذهبت لعرض الفكرة، ومع ان في الموقع مذكور بأنه يتم عرض فكرة المشاريع على مستثمرين، صرحوا وقت المقابلة، بأن ليس لديهم مستثمرين و تم رفض المشروع.
ولأنني لم أفقد الامل، توجهت إلى صندوق التنمية الصناعي لعرض فكرة المشروع. فطلبوا مني دراسة جدوى باللغة العربية والإنجليزية، و مخططات و رسومات، و أرض من هيئة المدن، وعدة طلبات تحتاج كحد أدنى ٥٠٠ ألف ريال، وهذا بالطبع امراً لا استطع توفيره. ما لفت نظري في نوعية تلك المسابقات، ان فكرة المشروع الفائز أو المؤهل للمرحلة الثانية، كان دائماً يحمل أفكار سطحية وركيكة، بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وما كان يجلب الاحباط حقاً، نظرة التكبر والغطرسة التي لا يستطيع رجال الاعمال مداراتها في اعينهم، حين يحضرون لدعم المشاريع الناشئة. في أحد الندوات دخلت على شخص طلب ان اشرح له مشكلتي، وحين فعلت ناولني بطاقته، وطلب مني الذهاب لمكتبه، فابتهجت فرحاً، وحين ذهبت اليه، استدعى سائقه، وطلب منه ان يأخذني الي مستودعه لأجد حل لمجموعة اخشاب مهشمه تتكدس في مستودعه! المخجل بأن هذا الرجل ذائع الصيت، وأحد أبناء أسرة رجال اعمال معروفين جداً داخل المملكة وخارجها.
ربما تستغربي، كيف استمر في المحاولة، ولدي مديونية وأسمي في القائمة السوداء، فمن الطبيعي ان لا أُمنح قرض، ولكن ما حدث لأحد زملائي شجعني ان لا أفقد الأمل، فبعد ان أخذ قرض من المئوية، وخسر مثلي، توجه لبرنامج كفالة، ليتم تسليمه مليون وأربعمائة ريال، ولم يطلب منه آنذاك رهن عقار، أو سلسلة من الضمانات كل ما في الأمر، المسألة تمت من تحت الطاولة. ذلك الوقت عرض علي أحد الأشخاص المساعدة، بحذف اسمي من القائمة السوداء لمدة سنه، فتنفست الصعداء، ولكن طلب ان ادفع له مقابل ذلك ٥٠ ألف ريال، فمن اين لي بالمال.
ارجوا منك؛ اخت هاله، بعرض قصتي، كي يعلم الشباب بأن برنامج كفالة ورياده، وصندوق المئوية وأصحاب الياقات البيضاء، ومجموعة عقال، وتسع أعشار باب رزق، ونماء المدينة، كلها برامج تبدوا جذابه في الاعلانات، ويصرف عليها الملايين، ولكن لا تخدم الا أصحاب الواسطة، حتى لو كانت مشاريعهم تافه. اكتبي لهم بأن الشباب بحاجة لتدخل الحكومة، لإزالة الفساد عن الصناديق التمويلية، وان لم يحدث هذا فلن نتزحزح خطوة للأمام.
توفى والدي، وترك لي من الاشقاء ثمان، واحد فقط من بيننا يحمل شهادة جامعية، ويعمل في وظيفة ومتزوج. اما انا والست الباقين نحمل الثانوية وعاطلين. ووالله نعاني معاناة في البحث عن وظائف لا يعلمها غير الله، أُجبرنا على رداء الحزن والقهر، لدرجة أصبحنا نمشي ونبكي من شدة القهر،
لا نريد صدقة نريد ان نعيش ونهنأ بمستقبل مثل بقية الناس، نريد فرصة حقيقية للعمل، ويكون لنا دخل شهري يكفي حاجتنا، نريد صدق ونزاهة في برامج المشاريع الصغيرة، ما ان يعرف البعض بأننا في حاجة، حتى يزدادوا تعنتاً وظلماً، ويستكثرون علينا حتى مشروع بسطة. نذهب متفرقين، للتقديم على وظائف، وحين نعود، نعود مستبشرين سعداء، نبشر بعضنا البعض،” ابشرك وابشرك”، ونحن نعلم بأننا نُمثل على بعضنا البعض، كي لا نفقد الامل او نحبط أنفسنا. كل الاعمال أصبحت بالواسطة، حتى الديون أصبحت تتلاشى بالواسطة. باغتتني سنوات عمري، لأصل ال٤٢ من العمر، ولم ابدأ حياتي بعد، داخلي انسان طموح، مازال ينظر للأمور الصعبة بتفاؤل، ولكن التجربة الماضية، أكدت لي بأن من لا يملك واسطة في بلدي، حتى مشروع بوفية متواضع في دائرة حكومية لن ينجح.
تركتني رسالة حامد محبطة و عاجزة، كنت اتمنى ان املك حلاً او واسطة تضعه على اول الطريق، في زمن اصبحت حتى الفرص تتحكم بها الواسطة، بعد ان عقدتها أنظمة متشابكة وضعها أشخاص، يحتلون مناصب، كانت وظيفتهم حل مشاكل الناس وتسهيل حياتهم، فعبثوا بها لانهم من الأساس لا يكترثون بطموح و أحلام البسطاء، فصاحب المنصب، لا يلتفت لأي شخص مغمور لايحمل اسم لامع، فلا يساعد الا ابناء النافذين في معادلة غير عادلة تحدث منذ عقود.
ذكرنا سابقاً بأن الرؤية لم تتناول الى الآن برنامج صارم للقضاء على الفساد، واذا لم نعلن حربا على الفساد مثل حربنا على الارهاب.. ستظل الرؤية الى مستقبل ابنائنا معتمة.
2017- منع من النشر