الأفعال المبالغ بها، تحمل عادة مجازفات غير مضمونة. قد تؤدي، إلى ردود أفعال أكبر من المتوقع، بنفس قوة الفعل، ولكن في الاتجاه المعاكس تماماً. وهذا ما أثبته قانون نيوتن الثالث. “ بأن القوى تنشأ دائمًا بشكل مزدوج. حيث يكون لكل فعل، رد (فعل) مساوٍ له في المقدار، ومعاكس له في المنحى”.
وتقدير ردة الفعل بحكمة، هو ما يحتاج الإنسان، أن يضعه نصب عينيه، قبل المبالغة بأي فعل، ينوي القيام به، أو يرى بأنه من ضمن واجباته، ومهامه اليومية.
فالمبالغة في بعض الأمور، دائماً ما تتسبب في مضار عكسية، سواء كانت تلك المبالغة، إيجابية او سلبية. فمثلا نعرف، بأن المبالغة في تناول الطعام، يسبب عدة اضطرابات صحية. و المبالغة في التنفيس عن الغضب، باقتلاع الأشجار والأبواب، وتهشيم الصحون، والصراخ الهستيري، يخلق فوضى، ويتسبب بحالة خوف وذعر للآخرين، بالإضافة للخسائر المادية. والمبالغة في الدلال، يفسد الانسان، ويجعله كائناً أنانيا لا يرى سوى نفسه، وغير صالح لتحمل المسؤولية. والمبالغة في المديح، تفسد الممدوح وتجعله يقتنع، بأن كل كلمة ينطق بها، تعتبر حكمة من ذهب، وكل عمل يقوم به، يصنف كاختراع، ويضاف للإعجاز العلمي!
ومن التجارب السابقة، التي مرت بها كثير من المجتمعات، ندرك بأن الافراط في التأديب والعقاب، من أكثر الممارسات خطورة. وعادة لا تحقق الهدف، الذي يرجوه الشخص الذي يطبق العقاب. فهي لا تلقن الانسان الدرس، أو تعلمه خطأه، وهو يعرف بأن ما يحدث له ظلماً وعدواناً، بقدر ما تزرع تلك المبالغة داخله الكره، وفقدان الثقة. ولا ينتهي الأمر بانتهاء الموقف ، بل تترك تلك التجربة داخله، ندبات تنز غبناً وحقداً، فيتحول لكائن غريب ومشوه، من وطأة ما يكال له من عقاب، لا يتناسب مع الخطأ او الفعل نفسه.
وإذا أجمع الأطباء النفسيون، على ان تخويف وتهديد الطفل، وسيلة فاشلة للتربية، لتأثيرها على مهاراته الفكرية، وتعطيل قدرته على الأبداع. فإن تهديد الانسان البالغ وترهيبه، أسوأ بعشرات المرات. لأن ذلك لا يفقده الثقة بنفسه فحسب، بل بكل شيء من حوله، حتى القيم والمبادئ، التي تأسس عليها، سيبدأ التشكيك بها وفي صحتها. وقد يحوله ذلك ايضاً، الى إنسان هش، بشخصية انهزامية. او الى كائن انتقامي وحاقد، يملأه الغضب، لا يتوانى من الثأر لنفسه في أول فرصة.
ومن يتمعن في نمط الاضطرابات في الشرق الأوسط، سيجد سبب تأجيجها، الطريقة التي تتناول فيها بعض الأنظمة، مسألة المطالبات الشعبية مثلا . فبدلا من احتوائها بالكلمة والإصلاح. تفرط في حركة التأديب والقمع، باستخدام الهراوات، والغاز المسيل للدموع وأشياء أخرى، بشكل مبالغ به جدا، الى أن يسقط ضحايا. ثم يبررون بأنهم كانوا يقومون بواجبهم، للحفاظ على السلامة والأمن! تماما مثل ذلك الأب المتهور، الذي كان يريد أن يلقن أبناءه الدرس، ويريهم عقوبة من يتخاذل في الدراسة، فضرب أبنه بوحشية، لأنه لم يحصل على المعدل، الذي كان يطمح به في الثانوية العامة. وحين سقط ميتاً من قوة الضرب، برر الأب جريمته بأنه لم يقصد قتله، بل كان يعلمه خطأ التقصير فقط !!
هل فكرنا، كيف ستتغير حياتنا، لو وضعنا قانون نيوتن نصب أعيننا، كنموذج، على أهمية وضع اعتبار للقوى التبادلية للفعل، وقدرنا القوة التي من الممكن، أن تأتي بها ردود أفعال الآخرين، قبل القيام بأي فعل مجحف أو مبالغ به. ألن يُمكننا ذلك، من التحكم بنسبة معينة في قوة وحجم، ردود الأفعال في النهاية!
اليمامة- 29/07/2021