لو أجرت الحكومة، على سبيل المثال، مسحاً على الوزارات وقطاعات الأعمال الكبرى في المملكة للبحث عن كوادر مؤهلة لشغل منصب قيادي محدد؛ فما هو المقياس الذي ستعتمد عليه في عملية البحث؟ وما هي معايير الاختيار التي من خلالها تستطيع انتقاء الشخص المناسب للتحديات المحتملة للمنصب؟
هل سيتم الاختيار بناء على الدرجة العلمية أم على تزكية مسؤول أو وزير، أم تقييم الأفراد أو المديرين الذين يعملون معه؟
قبل كل ذلك، ما هي الآلية المعتمدة التي من شأنها أن تقدم قائمة بأسماء المرشحين التي تحدّث يومياً وتجمع مهاراتهم وبياناتهم وأماكن عملهم الحالية؟
وبما أن الوزارات بدأت أيضاً بتعيين نساء في مناصب قيادية؛ فما هي المعايير الموثقة التي تم على أُسسها الاختيار؟ وهل جرت عملية مفاضلة بين عدد من المترشحات مثلاً على أساس الخبرة والكفاءة ومستوى المهارات بين مجموعة أخرى تحمل المؤهلات والاختصاصات نفسها؟ إذاً، ما الشيء المتميز الذي قد يدفع الوزير أو أي مسؤول لاختيار شخص بعينه من بين آخرين لوضعه على منصب قيادي؟
التساؤلات نفسها تتكرر وتدور في رؤوسنا في كل مرة يتم فيها تعيين قيادي أو قيادية لم نسمع به مسبقاً على منصب حساس يتولى شؤون الناس والمجتمع.
ويهتم القليل من قطاعات العمل بوضع خطط استراتيجية للإحلال الوظيفي، أو ما يسمى بالتعاقب الوظيفي، يتم من خلالها تطوير الكوادر والمواهب لتحل محل الموظفين الرئيسيين أو القياديين في العمل، لضمان استمرار الأعمال في المنظمة من دون تعطيل أو انقطاع، خاصة حين تحدث تغييرات مفاجئة لا مفر منها، مثل التقاعد، الوفاة، أو ترك المنصب تبعاً لترقية أو لتغطية مهمة جديدة في مكان آخر.
وتحديد القادة أو الخبراء الجدد، قرار لا يمكن أن يُتخذ تبعاً للظرف الراهن أو المباغت، بل ينبغي أن يُعد له مسبقاً بوضع خطط موثقة ومتفق عليها، وتحدد لها أهداف واضحة تُعنى بصقل وتطوير جميع المهارات التي يتطلبها المنصب وتخضع لخط زمني محدد، ومن المهم أن تعمل على متابعة التقدم في عملية التطوير تلك جهة عليا تراقب وتتبع لجهة مستقلة من خارج المنظمة للمراجعة والتدقيق، قبل أن تتم إضافة اسم وبيانات الشخص مثلاً في بنك خاص بحفظ بيانات الكوادر المؤهلة المستعدة لتسلّم مناصب قيادية مهمة قد تعتمد عليها الدولة في اتخاذ قرارات مصيرية تشكل جزءاً من مستقبل الوطن والمواطن. لذا، نتمنى أن تنشئ الدولة مركزاً وطنياً لإعداد القادة المحتملين لتولي مناصب قيادية في الدولة، تُعنى بتطويرهم وإعدادهم في خطة استباقية قبل تولي المنصب.
وهذا الأمر ينطبق أيضاً على عملية تعيين النساء، فلا يمكن أن تستمر بعض القطاعات بالتباهي بتعيين أول امرأة من دون أن تكون هناك معايير للاختيار أو تتبع إجراءات للمفاضلة بينها وبين أخريات في الخبرة والمهارات والمؤهلات، حتى لا تتحول عملية تمكين النساء من المناصب القيادية مجرّد «تسجيل دخول».
فكل منظومة عمل لا تملك ضمن خططها الاستراتيجية خرائط مكتوبة وموقعة للإحلال الوظيفي والتعاقب الإداري، عليها أن تراجع جودة أعمال مواردها البشرية.
ومن فوائد التخطيط الاستراتيجي للتعاقب القيادي والإحلال الوظيفي، وجود فرص تطوير مستمرة تحدث دوماً لتواكب المتغيرات المتسارعة في العالم، وتضمن أيضاً وجود جهة مختصة مهمتها متابعة عمليات تطوير القادة، برسم خطة مختلفة لتطوير مهارات معينة لكل مرشح، وقياس جودة ومستوى الكفاءة بناءً على معايير محددة، بعد الانتهاء من برنامج التطوير، لمعرفة مكامن القوة لكل مرشح، والعمل على تحسين نقاط الضعف.
وهذا بحد ذاته سيتيح لصاحب القرار أو المسؤول وقتاً ومجالاً كافيين للتعرف على حجم القدرات والمهارات التي قد يحتاجها لكل منصب.
وفي كل عام يصل عدد لا يستهان به من العاملين في قطاعات الأعمال الكبرى في المملكة للسن القانونية للتقاعد، ومع ذلك تعمد بعض القطاعات إلى تمديد خدمات القياديين والمختصين في مجالات معينة بذريعة عدم وجود بديل مؤهل، ليحرم ذلك دفعات جديدة من الخريجين من الحصول على وظائف وفرص تدريبية إلى الآن، وهذا قد يفسّر سبب وصول نسبة العاملين غير السعوديين ممن زادت سنهم على الـ60 عاماً لـ٨٩ في المئة خلال الربع الأول من ٢٠١٨، بينما كانت نسبة نظرائهم السعوديين في العمر نفسه ١١ في المئة!
وبما أن «الرؤية» فرضت ثقافة معايير القياس (KPI) على الوزارات وجميع قطاعات الأعمال، أصبح من الضروري أن تفرض أيضاً على كل وزارة وقطاع عمل وضع خطط استراتيجية للإحلال الوظيفي، والمعروف باسم الـ «Succession Planning»، ليشمل عملية اختيار القياديين والمسؤولين في الوزارات والجهات الحكومية، فكل المبادرات المهمة التي دخلت طور التنفيذ من برامج التحول، معرّضة لاحتمالات يساورها الشك بالخروج عن مسارها الطبيعي إن لم تقدها كوادر مؤهلة تعرف إمكاناتها جيداً وما تحتاج من أدوات لمواجهة التحديات وإكمال المسيرة، بدلاً من التخمين والتكهن بأشياء قد تحوّل المجتمع إلى حقل من التجارب.
التخطيط الفعّال لتعاقب المسؤولين وإحلال القادة متطلب مهم تحتاجه وبقوة قطاعات الأعمال بما فيها الوزارات، ليطبق بحذافيره في هذه الفترة المهمة من عملية التحول الوطني، فلا يصح أن يبقى مجرد حبر على ورق، يكتب ويجهز من دون تطبيق، لتستمر عمليات تعيين القادة بالذات، تجري وفقاً لأنظمة وقناعات شخصية تعتمد على الصداقات أو التزكية والوساطة. فهؤلاء سيتولون شؤون المواطن، ومن حق المواطن علينا أن نُحسن اختيار من يتولى شؤونه.
