في الموقف الدرامي الساخر على خشبة المسرح، يتوصل الجمهور للمعنى الحقيقي للمشهد ويتفهم الغموض الذي يلفه، من تتبعه للأحداث وليس من خلال الشخصيات التي تقف على المسرح، ويصدف عادة أن يكون البطل الشخص الوحيد الذي لا يرى الصورة الحقيقية للموضوع، بل يصرّ على المرور من أمامها والتعامي عن رؤيتها وتجاهلها إلى نهاية المسرحية.
وفي الموقف الدرامي لـ «مسرحية» التوطين، يبذل «البطل» مساعي متواضعة لتأنيث المحال النسائية، في محاولة لإنجاحه بأي وسيلة، حتى لو تطلب الأمر تطبيق استراتيجية غير مُحكمة، فما يهم تعبئة السوق بعمالة تساوي عدد العمالة التي تم إخراجها من السوق، بعد إعادة السيطرة عليه وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وفي الواقع يتابع الجمهور يومياً ضعف تلك السيطرة، فمازال التلاعب والالتواء على النظام مستمراً، لغياب المتابعة القريبة والمستمرة من وزارة العمل.
ففي تشرين الأول (أكتوبر) العام الماضي (2018)، أطلقت وزارة العمل المرحلة الثالثة من قرار تأنيث محال المستلزمات النسائية وتوطينها، وشملت المرحلة، كما ذكر المتحدث الرسمي للوزارة، محال العطورات النسائية، والأحذية والحقائب، إضافة إلى الملابس النسائية والأكشاك التي تبيع المستلزمات النسائية والمحال متعددة الأقسام والأقمشة، كما استهدف التأنيث محال صغيرة قائمة بذاتها تبيع فساتين السهرة والعرائس والعباءات النسائية والإكسسوار والجلابيات ومستلزمات رعاية الأمومة، وأقسام الصيدليات في المراكز التجارية المغلقة والتي تبيع مستحضرات طبية وأدوات تجميل، واستهدفت تلك المرحلة جميع المحال المتعلقة ببيع المستلزمات النسائية في المراكز التجارية المغلقة والمفتوحة والقائمة بذاتها.
ووضعت الوزارة اشتراطات لبيئة عمل المرأة ودعمت استقرارها الوظيفي، بتوفير أماكن للراحة والصلاة وحراسة أمنية للمكان حفاظاً على سلامتها وراحتها، وتسهيل كل ما من شأنه أن يرفع من نسبة مشاركتها في سوق العمل، مثل إطلاق برامج لتوفير الحضانات والمواصلات، ولم نسمع بآلية تفقدهم لتلك الأماكن للتأكد من تطبيق الاشتراطات، إذ يكفي أن يضع صاحب العمل سجادة في مخزن لتصبح مكاناً للاستراحة!
وبالرجوع إلى «باب تشغيل النساء» الذي يمثل صفحتين فقط من نظام العمل، سنجد أن توظيف المرأة في محال مواد البناء والسجاد والخزانات، يتعارض مع ما ذكر في المادة 149 والتي «تحظر تشغيل المرأة في المهن والأعمال الخطرة أو (الضارة)، ويحدد الوزير -بقرار منه- المهن والأعمال التي تعد خطرة أو ضارة من شأنها أن تعرض النساء لأخطار أو أضرار محددة، مما يجب معه حظر عملهن فيها أو تقييده بشروط خاصة»، ما يعني أن للوزير صلاحية يستطيع من خلالها أن يحدد أن محال مواد البناء والسجاد والسيراميك وقطع الغيار تعد بيئة غير مناسبة وخطرة على صحة المرأة العاملة، سواء أكانت عزباء أم حاملا أم مرضعا، فتلك المواد من شأنها أن تتسبب في مشاكل صحية للأم العاملة ورضيعها وللمواليد الجدد.
كما أن تلك المحال التي توظف امرأة بمفردها على الطرق السريعة وفي المناطق الصناعية وخارج المدن بمفردها لا أعتقد أنها توفر أماكن للراحة والصلاة بتجهيزات محترمة لموظفة واحدة، أو حتى حراسة أمنية للمكان حفاظا على سلامتها وراحتها، كما تشترط وزارة العمل.
فتلك النوعية من المحال لا يمكن أن يكون بها غرفة مجهزة تتوفر فيها احتياجات العاملة الحامل أو المرضع بالذات، فحتى بعض الشركات الكبرى ما زالت تتجاهل توفير غرف مخصصة تلبي احتياجات الموظفة المرضع، والتي تحتاج فيها على سبيل المثال «ثلاجة» لتخزين حليب الرضيع وحفظه، إلى أن تعود لبيتها.
ومع أن المادة الـ26 تنص على أن «جميع المنشآت في مختلف أنشطتها، وأيا كان عدد العاملين فيها، العمل على استقطاب السعوديين وتوظيفهم، وتوفير وسائل استمرارهم، وألا تقل نسب العمال السعوديين عن 75 في المئة من مجموع العمال»، نجد أن أغلب المحال التي أشرت لها في هذه المقالة أو السابقة لا توظف أي شاب سعودي، بل امرأة واحدة فقط للإيفاء بشروط الوزارة!
لسنا ضد العمل ولا المرأة ولا التوطين، نحن ضد الاستغلال والتضليل الذي أصبح عليه التوطين، بعد أن تضاربت خطط تنفيذه مع أكثر من بند من نظام العمل، والذي ما زال إلى هذه اللحظة بحاجة إلى مختصين لتحديثه وصياغته بأسلوب يتماشى مع متطلبات المرحلة الجديدة والانتقالية التي تمر بها بلادنا، خاصة بعد أن مرّ على آخر تعديل أربع سنوات، وكما لـ «وزير العمل» صلاحية لتحديد الأعمال الخطرة، له أيضا صلاحية تقديم تعديلات لتحديث نظام العمل والرفع به لمجلس الوزراء، مثل الغاء أو تعديل بند 77 الذي أساء صاحب العمل استخدامه بشكل خطر.
ليس العيب أن نخطئ، بل من العار أن نستمر في الخطأ، في مكابرة مقيتة من دون تصحيح، ووزارة العمل أخطأت في رهانها بخفض نسبة البطالة بتطبيق معادلة ضعيفة مبنية على الاستغلال والغش والتضليل، عندما شرّعت لأصحاب العمل استغلال حاجة اخواتنا للوظيفة وتجاهل حاجة الشباب الذين لديهم المؤهلات نفسها التي تتناسب مع نوعية العمل في السوق.
نحن قوم نعتز بقيمنا وثوابتنا الدينية منذ قديم الزمن، قوم لا يسلب فيه التطور أو حتى التقدم من شيمنا وأخلاقنا شيئاً، لأنها مبنية على أسس متينة، حتى لو تم اتهامنا بما ليس فينا.
توطين السوق بتطبيق معادلة غير عادلة، تستبعد الشباب وتستقطب النساء، من أجل خفض الأرقام الإحصائية للبطالة، معادلة جائرة وغير أخلاقية، يتحمل نتائجها وزير العمل.