لم تحدث كارثة او أزمة على وجه الأرض، دون أن يكون قد نبت من بين حطامها، من استغل ظروفها وتفاصيلها، استغلالاً أسوأ من الكارثة نفسها.
فالتاريخ كان شاهداً على حقبة الجشع، التي مارس فيها الرأسماليون من جميع أنحاء العالم، تجارتهم اللاإنسانية باسم الإنسانية!
فالتاجر الذي يظهر سريعا من بين حطام أي كارثة، لا يعترف في حياته بالإنسانية بل مصلحته فقط، والتي يسعى لتحقيقها بالسيطرة على الإنسان، وإخضاعه لقراراته وأهدافه الجهنمية. فيعرّضه لصدمة كبيرة حتى يفقد وعيه، وان أفاق من غيبوبته، لا يمنحه فرصه للاستيعاب او التفكير، بل يدب الذعر داخل نفسه، ويقوده لمرحلة يفقده فيها عقله. حينئذ يأخذ تاجر الموت بكل سهولة ما يريد، فمرحلة الصدمة من أخطر الاوقات التي يتخذ فيها الانسان قراراته..
وهذه الاستراتيجية الرائجة بين تُجار الأزمات، الذين اعتادوا على الثراء الفاحش من تجارة الموت ومصائب الآخرين. وإن صدف وإنتهت الكارثة سريعاً، ونقصت ثرواتهم، يفتعلون أزمة جديدة ليتربحوا منها.
ومهما كان حجم الألم او عدد المآسي البشعة، التي قد تخلفها الكارثة. لا يهم عشاق الرأسمالية الا إقتناص الفرص. فالأزمة بالنسبة لهم عصا سحرية، يتم بواسطتها تحقيق جميع الاهداف بكل سهولة. باستغلال حالة الصدمة الجماعية، التي تتعرض لها المجتمعات المنكوبة، فيتم اثناءها القاء مزيداً من بذور الخوف، باختلاق معلومات كاذبة، وبثها كنتائج دراسات علمية، او عن طريق تقارير من المنظمات العالمية، لتسريع عملية «ابتلاع الطعم الجماعي».
وربما تكون تصريحات الصحة العالمية المتخبطة طوال فترة الجائحة، أقرب مثال لهذه النقطة بالتحديد. فليس صدفة أن ينشط بعدها تصدير مبيعات المواد الطبية لبقية الدول، من احدى الدول الكبرى لإنعاش أسواقها وشركاتها، بعد أن تضرر اقتصادها مبكرا من الجائحة.
ومن يتوغل في تاريخ الأزمات التي حدثت مثلاً في أفغانستان وباكستان والعراق، سيكتشف المستفيد من بقاء الفوضى قائمة في تلك البلدان أطول فترة ممكنة. فتجارة الكوارث تتبع نظاماً رأسمالياً بحت، له قاعدة تحرص على تغذية وقود الأزمات لتستمر طويلاً، حتى يتسنى لتجار الكوارث المندسين في شركات متعددة الجنسيات، من ممارسة استغلال الشعوب، والاستفادة من مآسيهم الإنسانية، ومواصلة نهب خيرات الدول المنكوبة، واستنزاف ثرواتها الطبيعية.
والصدمة المصاحبة لأي كارثة، تجعل الانسان لا يقوى على المقاومة، بل يقبل بأي خيار متاح أمامه دون تفكير. وهذا ما استغلته المافيا الايطالية صاحبة السجل الأسود الملطخ بالدماء. حين استغلت حالة الصدمة التي عصفت بالناس في ذروة الجائحة، لتلعب دور البطولة في تقديم المساعدات الخيرية والاجتماعية، لتكسب فيها ولاء الناس، وتحشد قاعدة تأييد جماهيرية، تعزز فكرة بإن دور المافيا كان أكثر كفاءة من دور الدولة الإيطالية، في تقديم المساعدات. فقدمت قروض ربوية للمتعثرين، وانقذت بعض المشاريع الجديدة من الانهيار، بضخ أموال في البنوك لتحميها من الافلاس. وهذا ليس نبلاً او مجاناً، فقبول أي خدمة او مساعدة من المافيا، من شأنه ان يفتح النار على صاحبه في اللحظة التي يتأخر فيها عن رد الجميل. وكان رد الجميل غسيل كثير من أموال المخدرات المشبوهة في البنوك الايطالية.
وبعد سنوات قليلة جداً، سنكتشف بالإضافة لما تم اكتشافه، بإن بعض الأزمات كانت مدبرة ومخطط لها. فلا شيء يحدث بالصدفة، الا الكوارث البيئية.
ومع تبدل الظروف وتلاحق العديد من الأزمات، بات من الضروري أن تكثف جميع المنصات المعرفية، التوعية بخطر تُجار الأزمات والتحذير من أساليبهم الخبيثة، بنفس الطريقة التي يتبعها الأمن السيبراني في تحذيراته من الهجمات الإلكترونية.
20/08/2020- اليمامة