لم يثبت للألم تعريف او مقياس محدد، يجعلنا نجزم بانه التعبير الأمثل، لوصف ماهيته وحقيقته. فوقع الإحساس به يتفاوت بين الفرد والآخر، حسب الموقف أو الصدمة. فالألم الجسدي الذي يبدوا بسيطاً لدى البعض، ربما يكون أكثر ألماً وازعاجاً لدى البعض الآخر . مثل الألم الشديد، الذي تحدثه حواف الورق حين تجرح الاصابع كالنصل.
توصل العلماء في القرن الماضي، لطريقة لقياس درجات الألم. عُرفت آنذاك باسم «ديل». حيث كانوا يعتقدون، بإن اعلى درجات الألم، قد تُسجل اثناء مراحل المخاض والولادة، والتي كانت تقدر شدته بنحو (٤٥ديل). أجمع العلماء ذلك الو قت، بإن ما تشعر به الأم من ألم في الواقع، يصل الى أكثر من (٥٧ديل)، والذي تم تقديره بنفس حجم الألم، الذي ينتج عن كسر «٢٠» عظمة في جسم الانسان دفعة واحدة.
وهذا يؤكد؛ بإن ألم المخاض كان مقياساً لحجم الألم في فترة ما. وان الشعور بالألم الذي تشعر به الأم اثناء الولادة، أشد من المقاييس الطبية على أرض الواقع. وهذا التفاوت يدفعنا لأن ندرك، بإن مقياس الألم الجسدي مختلف جداً ومتفاوت ولا سبيل لمقارنته أو مساواته بين الجنسين او بين شخص وآخر.
وربما يكون الألم النفسي، أكثر أنواع الألم نهشاً لروح الإنسان، وأشد ضراوة من الألم الجسدي. فما ان يغزو روح الإنسان، حتى تتلقفه طواحين الهواجس، التي ترفعه عالياً في الهواء، ثم تدك به أرضاً، ليُركل تحت أقدام الحيرة والقلق مرارا وتكراراً، قبل ان يُلفظ على حافة الحياة، في حالة إعياء شديدة، من الذهول والرفض وعدم الإتزان. فمن المعروف أثناء نوبات الألم، يتشابك كل شيء، ويفقد الانسان بوصلته وإحساسه بالزمان والمكان وكل معنى للموضوعية. وفي كثير من الأحيان تُدخله تلك النوبات في حالة أبدية من الحزن او البكاء. هذه الحالة ليس بالضروري أن تكون تعبيراً عن الموقف المؤلم الأخير مثلاً، على قدر ما تعبر عن المدة، التي احتل فيها الألم مساحات كبيرة في النفس، إلى أن أحدث بثقله وقطرانه ثقوباً سوداء أخذت تتسع مع الوقت، لتفقد المرء قدرته على الكلام، وتباغته إلى المرحلة، التي ينسى فيها كيف تُنظم الحروف وكيف تُنطق الكلمات.
فمنذ بدء الخليقة، والانسان يخوض تجارباً مختلفة، يتعرف فيها على أشكال الألم. وكلما تقدم في العمر، إزداد وعيه واحساسه بمسبباته ومصادره، معتقدا بأنه اختبر جميع مراحله بعد أن قضى وقتاً طويلاً في كهوفه وآباره وأنفاقه. واعتقد أيضاً بأنه بذكائه، يستطيع أن يتجنب الوقوع في شركه.
ولأنه جزء من حياة الانسان وشقائه، ولا مفر منه سوى تقبل وجوده، وعدم مقاومته بل منحه الوقت ليمر ويتلاشى بسلام. فمقاومة كل تجربة ألم او منع الإحساس بها، تسبب زيادة في معاناة الانسان، فلا تغادره أي تجربة دون ترك ندبة. فمهما حاول تجاهل تلك الندبات والمضي قدماً. تجد يديه تتسلل لا شعورياً لتحسسها بين الحين والأخر. وإن نجح وأوشك على إخفاء تلك الندوب، يغافله شخص ما داخل موقف، ليكشط قشرة الألم، ويستمتع بمشاهدته ينزف من جديد. فالآلام مثل الفتن لا تستيقظ من تلقاء نفسها. بل هناك دائماً من يحاول تحريكها والعبث بها، بجهله وقلة احترامه لمشاعر الآخرين.
نتألم في اليوم الواحد كثيرا، ليس إزاء ما نشعر بها تجاه انفسنا فحسب، بل إزاء ما يشعر به الاخرون حولنا أيضاً، نتألم حين نشعر بفقدان الثقة والخذلان، نتألم أمام عجزنا عن صد الظلم، نتألم من إتهامات ليس فينا وتؤذينا.. نتألم لعدم استطاعتنا التفوه بالحقيقة. نتألم طوال الوقت ولا نتكلم.