مشوار شاق، وعر، وطويل، ذلك الطريق الذي اعتادت أن تقطعه النساء في وطني لكي ينلن أبسط حقوقهن التي يحصل عليها أخوها الرجل، بل في كثير من الأحيان تُقدم له من دون أن يُحارب من أجل الحصول عليها، ولكن ذلك الطريق الصعب ترك بصمة الصلابة وعدم الاستسلام والوقوف أمام الصعاب لتُصبح جزءًا من شخصيتها، بل عملت كل تجربة شاقة على صقل وإضافة شيء جديد إلى شخصيتها، لتُؤهلها قيادة أكثر من منصب في مجالات عدة على رغم التهميش.
25 من أيلول سبتمبر، يوم لن يُنسى من تاريخ المرأة السعودية ولا ذاكرتها، أوصلها إلى منتصف المسافة التي تبعدها عن تحقيق العدل لنصف المجتمع وأساسه المتين والعيش بكرامة، هذا اليوم الذي حسم فيه أبو متعب الجدل، ومكَنها من المشاركة رسمياً في صُنع القرار من قِمة هرم المؤسسة السياسية والاجتماعية في وطنها، لتبدأ كفاحاً جديداً مُفعماً بالثقة الملكية، في زمن التغيير الذي بدأ بقرار يُذكرنا بحجم القرار الذي اتخذه المغفور له الملك فيصل، حين أمر بفتح مدارس لتعليم البنات في المملكة.
لن تضيع أي قيمة من قيمنا الإسلامية، إذا تم تحديث بعض الأنظمة، أو تطوير بعض القرارات بما يتناسب مع تغيُرات العصر الذي نعيشه، خصوصاً وصيانة الحقوق من أهم المطالب التي يسعى لتحقيقها الإنسان بطبيعته،
ووجود المرأة في مجلس الشورى، سيُعطي للمواضيع والتشريعات التي تتعلق بها وبحُقوقها على وجه الخصوص، حُضوراً خاصاً وتمثيلاً متقناً، أساسهُ التجربة ومن واقع معاناة هي فقط التي تستطيع أن تنقل وتشرح تفاصيلها، خصوصاً أن سيدات كثيرات في مجتمعنا يُعانيَن مراحل مؤلمة من الظلم، والتجاوزات التي يرتكبها بعض الرجال، في عملية استغلال باسم الدين، من خلال تسلطهم المهين للمرأة، مثل استغلال القوامة بابتزاز راتب وإرث الزوجة والأخت وحتى الابنة، واستغلال الولاية وتزويج قاصرات وعضل أُخريات، وسلب الحقوق الشرعية لهن، مثل حق التعليم، وحق اختيار الزوج، أو رفضه، وحق الوكالة التي أيضاً باتت تنُتزع بالقوة الجبرية، ناهيك عن معاملتهن معاملة لا تليق بالكرامة التي ضمنتها الشريعة الإسلامية للمرأة المسلمة، ولا حتى آخذين بوصية الرسول الكريم حين أوصى عليها في خطبة الوداع
ومثل ما أعطى القرار للمرأة حقاً، يُحملها أيضاً كثيراً من المسؤولية، إلى جانب شقيقها الرجل في المشاركة بالتطوير المدني للبلاد، والنهوض لرفعة شأن المجتمع من جميع الجوانب، كما سيسمح لها ذلك بالمشاركة في صياغة التشريعات والقرارات وتطويرها وتمثيل جميع أفراد المجتمع وليست المرأة فقط، وذلك من خلال توصيل آرائهم لدى السلطة التنفيذية، خصوصاً بعد أن قطعت المرأة في المملكة شوطاً طويلاً في التأهيل الفكري والمهني، وقدمت انجازات مميزة في مجال عــــملها، في قطاع التعليم، والقطاع الـــطبي، والقطاع الإداري العام والخاص، في الحقبة الماضية من الزمـــن، لذلك فهي قادرة على خوض الـــتجربة الجديدة بـــإخلاص وأمانة
ولن تختلف أي امرأة على الضوابط الشرعية، التي جاءت في قرار أبي متعب، لأنها جاءت ردًا واضحاً لكل من يحاول سجن المرأة في عصر قبل ظهور الإسلام، بدعاوى باطلة، تحمل شعار الحرص والخوف على الدين، وهي بعيدة كل البعد عنه
نالت المرأة في عهد الملك عبدالله كثيراً من اهتمامه الأبوي، ومميزات خاصة، وبعض الحقوق التي أسهمت في ارتقاء مكانتها وزيادة خطتها التنموية في المجتمع، لتقطع شوطاً ملاحظاً، حين فتحت بجهدها ومطالبتها بحقها في الكثير من المناسبات كثيراً من الأبواب التي ظلت مُغلقة عصوراً، في الوقت نفسه الذي كانت تتجه فيه سياسة المملكة للمُضي قُدُماً لتنمية مهارات المرأة السعودية، على رغم الكثير من العراقيل الاجتماعية التي فرضتها العادات والتقاليد التي وُضعت في الطريق
ولن ننسى أيضاً قرار فتح عضوية مجلس الأندية الأدبية للمثقفات السعوديات، وعملية استحداث الكثير من المراكز النسائية التابعة لمختلف المرافق الحكومية والوزارية، وتعيين الكثير من النساء على المراتب الممتازة، كما عُين في مجلس الشورى عدد متواضع من المستشارات كبداية للتمكِين، وأُعطيت الفرصة للعمل في مجالس الغرف التجارية لسيدات الأعمال، وفتح الكثير من فُرص العمل لها في مجالات مختلفة وشغلت حيزاً كبيراً في مجال التعليم، والمجالات الصحية والأعمال الخاصة، وفُتح مجال الابتعاث لها لتعود الى الوطن طبيبة وإدارية ومخترعة
القرار الملكي كان هدية لجميع سيدات هذا البلد، ولكل من حاول التشكيك في إمكانات المرأة السعودية، وقلل من قُدراتها أو شأنها، أو من حجم دورها الأساسي والمتين في بناء الأسرة والمجتمع عندما يسعى القائد لتحقيق كل أمرٍ أو حاجة فيها عزة وكرامة ومصلحة للناس، فعلى باقي المسؤولين في الدولة أن يقتدوا بالأخلاق والهدف نفسهما، بالعمل على تحقيق ما يسعى إليه الحاكم الذي كلفهم بمناصب ومراكز من أجل خدمة الناس
هنيئاً لنا هذا القرار التاريخي الذي سيبدأ معه زمن الكرامة، وهنيئاً لأبناء الوطن وبناته بعبدالله بن عبدالعزيز.
صحيفة الحياة 01 – 10 – 2011