هاله القحطاني
  • الصفحه الرئيسيه

  • مقالات

  • إصدارات

  • من حافة المجرة

  • مُنع من النشر

  • أقلام صديقة

  • حوار

  • حكاية صورة

الموقع الشخصي للكاتبة هالة القحطاني

  • الصفحه الرئيسيه

  • مقالات

  • إصدارات

  • من حافة المجرة

  • مُنع من النشر

  • أقلام صديقة

  • حوار

  • حكاية صورة

وباء «التحزُّب»

الحياة | 0 تعليقات

إذا رأيت انحياز فرد أو عدد من الناس بعصبية لبعضهم البعض، ليشكلوا جماعةً تتشابه في آرائها واتجاهاتها الفكرية، سواء أكانت سياسية أم اجتماعية، ليقصوا من خلالها كل من يخالفهم الرأي، بإضمار العداء والتفاخر بذلك بتأييد بعضهم البعض، على رغم علمهم أن ما يفعلونه مخالف للقوانين والقواعد الإنسانية، فتأكد بأنهم مصابون بوباء «التحزُّب»، فـ «التحزُّب» من أكثر الأوبئة المعدية خطورة من ناحية حجم تأثيرها على الفرد، فإذا أصابته وتغلغلت في مساماته تكون بذلك قد ضمنت الانتشار والانتقال بشكل أكبر يمتد خارج حدود البلد والمكان.

ويملك «التحزب» في التاريخ السياسي تلك القدرة على تمزيق الدول وتشتيتها، فإلقاء بذرة واحدة ملوثة أو موبوءة كفيلة لتجذير صراعات ومعارك داخلية تتطور وتستمر عقوداً من الزمن، متخذة أنماطاً مختلفةً وأكثر وحشيةً مع مرور الوقت، إلى أن تصبح أشد ضراوة فتفتك بالآخرين وتسفك الدماء.

وكلّما حاول الشرفاء إطفاء تلك النيران، ينشط «زبانية التحزب» ليزيدوا وقودها، لتبقى مشتعلة للأبد أو إلى اندحار الأطراف التي تخالفهم، ولسنا هنا بصدد سرد أمثلة على التحزبات الدينية والطائفية أو المرجعية التي ظهرت في المملكة العقود الماضية، فكما كنا شهوداً على مرحلة ظهورها وتطورها واشتدادها، شهدنا أيضاً مرحلة وأدها ونهايتها، وعلى رغم هزيمتها الكاسحة، ما زالت هناك محاولات بائسة تحاول فيها بعض الأحزاب «تجميع» شتاتها للبدء بنمط مختلف للتمويه، أو بحمل شعارات مصبوغة للتخفي ومواكبة العصر.

وفي بعض أماكن العمل، يرتدي التحزب رداءً ظاهره مهني وباطنه تتحكم به «الشللية»، فيتعاون حزب (الشلة) على التربص وتحيّن الفرص، للإيقاع بمن لا يخضع لآرائهم وقوانينهم الشخصية، خاصة إن كان العمل يدار من قبل مجموعة من الأفراد غير النزهاء، يرون النجاح في العمل لا علاقة له بالكفاءة، بل بالمعرفة والصداقة، فيفتعلون المشكلات ضد الموظف الذي يرفض التحزب ولا يشجع الممارسات الخاطئة التي يراها «الحزب» صائبة ومثالية، فيتعمدون تحويل الاختلافات أو الأخطاء الصغيرة في العمل إلى معارك طاحنة، وإذا ارتكب المُحازِب والمتحزب خطأً تتم تغطيته بتواطؤٍ جماعي، فمهمة الحزب دائماً نصرة أفراده مهما كان حجم الخطأ.

وفي رأيي الشخصي، أجد أن التحزب الأسري والقبلي الأكثر خطورة وشراسة، فالإنسان الذي يخرج للمجتمع ليشارك الآخرين الحياة، هو نتاج ما تعلمه واكتسبه داخل أسرته وقبيلته، فإن كانت الأسرة تؤسس لتعليم المبادئ وتعزز القيم الإنسانية وتفصل بين الصح والخطأ والحلال والحرام، لخرج لنا فرد سوي تعتمد عليه الدولة والمواطن، وإن خرج من بيئة موبوءة يستشري فيها التحزب بأفكار ومعتقدات ليس لها أساس ديني أو إنساني وليست مبنية على أي قاعدة حياتية بل على الجهل المقنع باسم سمعة الأسرة، لخرج لنا فرد عاطل لا يستطع الإسهام بأي فكرة من شأنها تطوير الحياة داخل الدولة.

ويمارس أفراد «بعض» القبائل – للأسف – تحزباً واضحاً للخطأ، فمن يرتكب خطأً يفزع له أفراد القبيلة في أنحاء الأرض ليتعاونوا على الإثم والعدوان، فتجدهم ينصرون القاتل بدفع دية القتيل، معتقدين أنهم بذلك يقدمون خدمة للإسلام، وهم يشجعون بجهلهم القتل ويسهلونه، لأن قوانين «حزبهم» لا تسمح لأي فرد من أفرادها أن يُعدم وإن كان مجرماً. وكل ذلك بسبب حاجة بعض أفراد القبيلة للشعور بـ «الانتماء» و «التميز»، فتدفعهم تلك الحاجة للتحزب بنماذج لا يُحتذى بها.

قد يكسبون أحياناً ويشعرون ببهجة الفوز، ولكن حتى هذا الربح مؤقت، فخروج قاتل للمجتمع من دون أن يأخذ عقابه ليس «ربحاً»، بل «خسارة» للمجتمع قد تجلب معها الكثير من المشكلات التي تتطور مع الوقت.

وتظن كثير من الأسر أن «التحزب» لأفرادها هو ما يزيدها ترابطاً وتميزاً وتألقاً، وربما يكتب ذلك اسمها بين الأسر العريقة ليخلدها التاريخ! وفي حقيقة الأمر تظل الأسرة تخسر للنهاية بتعزيزها وتمريرها قيماً خاطئة بين أفراد يتوارثونها ليلوثوا بذلك أجيالاً جديدةً.

ومن أكثر مساوئ التحزب في محيط الأسرة تغييب العقل وكتم صوت العقلاء، سواء أكان من داخل الأسرة الواحدة أم من خارجها، لتصبح أخطر نتيجة لذلك «رؤية» الباطل حقاً والحق باطلاً، بالانحياز دائماً للأفراد المخطئين ونبذ العقلاء لوقوفهم مع الحق، وفي كثير من الأسر يمارس على الأقل فرد واحد أو أكثر مهمة «التحزيب»، فتجده يملأ المجلس بصوته منافحاً في مكل مناسبة لأجل أن يكسب مزيداً من الأصوات لصفه.

و «المُحزِّب» أسوأ شخص ممكن أن تلتقي به في أي مكان، إذ تتمحور مهمته في التجييش وحشد الضغائن والتصعيد وإثارة العصبية ضد فرد أو جماعة، همه الوحيد أن يجعلك من أنصاره حتى لو كان رأيه خاطئاً، وإذا تعمقنا في الأسباب التي تجعل من شخص بمستوى تعليمي متقدم على سبيل المثال «يتحزب» لآخر أقل منه علماً وثقافة ولا يعد بأي حال من الأحوال مثلاً أعلى أو أنموذجاً يحتذى به، بل لديه تاريخ طويل من الممارسات المشينة يندى لها الجبين، تجد أن عقل الإنسان يميل لتصديق ما يريد ويلتفت لذلك بكل سهولة، ولكنه لا يلتفت لما يخالف هواه. لذا، فـ «التحزُّب» يتعلّق بمعدن الإنسان وسريرته، مهما كانت العوامل الخارجية حوله تلعب دوراً كبيراً ومحورياً في تسهيل عملية تجاوبه مع الضغوط الخارجية، خاصة إن كانت غير منطقية.

الترفيه ليس للجميع!
«مأزق» الكاتب
468

أرسل إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بتقنية مهارتي | ووردبريس

حميع الحقوق محفوظة للكاتبة هاله القحطاني

تطوير منصة اعمالي من مؤسسة تنامي ©