ما أن تطل برأسك في الوجود ، حتى تجرفك الحياة بثقلها ومتطلباتها داخل تيار سريع.
لدرجة، لا تستطيع من قوتها إلتقاط أنفاسك أو الإدلاء برأيك، بعدم إختيارك للدخول. بل تجد نفسك في منتصف العاصفة تحاول التشبث والتأقلم مع سرعتها. فأكثر شيء يجيده الإنسان التأقلم والتشبث بالحياة.
لذا نجد البعض ينجح في الصمود والمقاومة، والتحكم بسرعته على الرغم من شدة التيار. والبعض الآخر تمضي سنين عمره وهو يتطوح بين الدوامة والأخرى. فكيف إن منحتك الظروف فرصة، لتنقذك وتلقيك خارج الدوامة، لترى نفسك أين وصلت وكيف أصبحت.
العزلة التي مر بها العالم الأشهر الماضية، كانت فرصة إجبارية نادرة الحدوث، أوقفت العالم بأكمله عن الركض وقللت من سرعة كل شيء.
فلم توقفك عن الدواران في دوامات الحياة فحسب، بل جعلتك ترى نفسك وتقترب منها أكثر من أي وقت مضى. جعلتك تكتشف، بإن جُل ما كنت ترهق نفسك فيه لا يستحق العناء. وإن أكثر المعارك التي كنت تُدفع لخوضها، لم تكن معركتك الشخصية أبدا، بل كانت معارك آخرين ، إستغلوا عدم إحساسك بنفسك، وبوجودك المستمر داخل العاصفة، ليدفعوا بك لخوض معركة تلو الأخرى، ويقفوا مكتوفي الأيدي متفرجين، وحين تنتهي يأخذون فوزك وما حققت في لحظة ويبتعدون. وقبل أن يفعلوا يسلموا زمام التحكم بك لآخرين يُقحموك لخوض معاركهم الشخصية دون أن تشعر . فأثناء العاصفة لا تتضح الرؤية كثيرا، بل يأخذ الاستغلال مساحة كبيرة داخلها ليرتع في الفوضى. فتتلقفك الدوامة تلو الدوامة لتضعك في يد دوامة أخرى دون أن تنتبه.
وفرصة التمعن في الذات اثناء العزلة، كفيلة بأن تجعلك تشعر وتنتبه لكل شيء حولك. تجعلك تحصي عدد الثقوب التي خلّفتها تلك العواصف في نفسك. تجعلك تدرك البلسم المناسب لعلاج كل ثقب على حدة، والوقت الذي يحتاجه ليلتئم. فترة التمعن من شأنها أن تُعرِفُك على كل الأدوات التي تحتاجها، لترمم نفسك وذاتك وتعود أنت نفسك من جديد.
ستجعلك تدرك، كيف هشمت بُنية مبادئك، وتجاهلت التفكير المنطقي وإهتماماتك الشخصية، من أجل تلبية إحتياجات ومطالب آخرين، لم يكن من واجباتك تلبيتها منذ البدء، في نفس الوقت الذي أهدرت فيه وقتك لعمل كل شيء لهم، لدرجة أصبح فيها الفوز برضاء ومودة من حولك، هدفك اليومي الذي تصحو وتنام من أجله. إلى أن أصبحت كائنا آليا مُسيرا تنفذ كل ما يُطلب منك دون إبداء أي رغبة في الكلام.
قد تكون فترة العزل مزعجة أو مؤلمة لشريحة كبيرة من الناس، لأنها لم تكن باختيارهم، فالأغلبية كان لديه خطط مستقبلية، تم ترتيبها وبذل من أجل تنفيذها في وقت معين مجهودات مكلفة. ولكن ينبغي أن لا نتجاهل بأنها كانت نعمة حررت فيها شريحة كبيرة، كانت تعيش من دوامة لأخرى، معتقدة بإن حياتها على هذه الأرض مرهونة بتلبية طلبات الآخرين.
مرحلة ترميم الذات، تعلّمك كيف تجبر الثقوب التي خلّفتها الهموم، حين إرتطمت بك أثناء إشتداد العاصفة. ستتعلم في هذه المرحلة كيف تُصلح نفسك المهشمة، وترفع من صفاء نفسيتك وتحافظ على إبقاء مزاجك في مستوى مريح. ستتعلم كيف تلملم أجزاء نفسك إن تبعثرت، أو ضلت طريق العودة إليك . ستسترجع هواياتك وضحكاتك وبحثك الطفولي عن الأشياء الجميلة، التي كنت تصنعها للآخرين دون أن تجربها بنفسك، ستتعلم كيف تصنع يومك وحياتك ومستقبلك.
بعد الترميم تمعّن في ذاتك ، وضع يدك على عدد الثقوب التي أُجبرت والتأمت، وتأمل كيف أصبحت افضل وأقوى، والأهم حافظ على كل الأدوات التي ساعدت على عودتك من جديد.
اليمامة- ترميم الذات
03/09/2020