طُبع الانسان منذ القدم، على البحث عن الحقيقة، التي من شأنها ان تساعده على فهم سبب وجوده في الحياة، حتى لو كانت الحقائق موثقه، ومعروفه منذ بدء البشرية، ونقّب عنها رجال الدين والمفكرون والفلاسفة السابقون. سيظل الانسان يبحث عن الحقيقة بنفسه ليتأكد، ويطمئن قلبه.
ويواجه الانسان الذي يبحث عن الحقيقة، مخاطر ربما لا يُدرك كُنهِها، الا كلما اقترب منها أو فهمها. خاصة إن كانت ستكشف، عن عمليات تزييف أو تضليل. فمن يُريدك أن تفهم ما يريد، سيجعل كل شيء حولك قابلا للتصديق. ومع ذلك يظل قلبك غير مُطمئن، لأنك تشعر بالتزييف، وإن كنت لا تراه.
ولما آل اليه هذا الزمن من تحديات، أصبحت المعركة اليومية، التي على الإنسان أن يتعلم كيف يخوضها بمفرده، هي التمييز بين الحقيقة والتزييف، والتفريق بينهما بالبراهين المنطقية، وليس بالاعتماد على رأي الأغلبية أو المجموعة، بل معتمدا على جميع حواسه الادراكية. فكل أمر يمكن إثباته بواسطة البراهين المنطقية حقيقة، والزيف عكس ذلك تماما.
وبعد أن اقتحم التزييف حياتنا اليومية، في تهديد يومي وتحدٍ سافر، إستولى على كل شيء كان حقيقياً وجميلاً، فظهر في النقود والشهادات المزيفة، ثم تطور الأمر الى المواد الغذائية والبضائع، مرورا بتزييف التاريخ والحقائق، إلى أن وصل إلى تزييف المشاعر.
وبدلاً من أن يستفيد الإنسان من تقدم التقنية، لتركيز طاقته على اختراعات تخدم البشرية، كرس البعض جهوده، لعمليات دقيقة ومتواصلة من التزييف العميق، لطمس الحقائق واستبدالها بأكاذيب. ليجعلوك تصدق ما يريدون منك تصديقه.
فلا شيء يدعوا للريبة، بقدر ذلك الكلام المعسول، الذي يغرقك فيه شخص ما فجأة دون سبب، محاولا إستمالة قلبك وإجبارك على تصديقه، مع أن خبث عينيه وابتسامته الصفراء، تثبت عكس ذلك. ولكن تجد نفسك مرغماً على تصديقه، ومجاراته كمتطلب لتثبت به براعتك المهنية في بيئة العمل على سبيل المثال.
وبيئة العمل، من أكثر البيئات التي يرتع فيها تزييف الحقائق والمشاعر،فكثير من الموظفين والرؤساء، يزيفون مشاعرهم تجاه زملائهم ومرؤوسيهم، طمحا في الرضاء والتقرب، للحصول على سمعة طيبة هم لا يملكونها، لأنهم ممثلون أو مزورون ، أو للوصول لمنصب ذي مزايا خرافية، أو للحصول على بعثة عمل بفوائد سخية. فتجد الفرد منهم لديه استعداد لجعل كرامته ممسحة لرئيسه، ويبدي له الكثير من التذلل والخضوع، من أجل كسب موافقته. وما أن يغادر مكتبه، حتى يلعنه أمام الجميع.
وربما أكثر تزييف يؤلم الانسان، تزييف المشاعر، ومع ذلك تجد نماذج أينما تذهب من ذلك الزيف بين الناس. ففي محيط الأسرة، يتم التزييف الجماعي للمشاعر، بين الزوجين او الأقارب في حالات الخلاف، من أجل المحافظة على الإطار الاجتماعي، و(البريستيج) أمام الناس، لان رأي الناس مازال مهما، لدى شريحة كبيرة من البشر، وكأن الناس هم من يمنحونهم ختم جودة الحياة.
والجميل في رحلة الانسان المستمرة عن الحقيقة، يظل يبحث عن كل ما من شأنه ايقاف عمليات التزييف والتزوير. فمثلاً، أطلقت مايكروسوفت أداة لتمييز مقاطع “التزييف العميق»، الذي يعتمد على تلفيق مقاطع مرئية وأصوات ونسبتها لأيٍ كان . ووضعت بعض مؤسسات النقد، عددا من العلامات الأمنية، لحماية النقود من التزوير، وقامت أيضا الوزارات المكلفة بشؤون التجارة، بوضع آليات وأدوات، تكشف بها عن عمليات تزوير البضائع وغيرها.
وبعد أن وصلنا لمرحلة متقدمة من تزييف الحياة والواقع، وبات العالم يضج برهائن الخداع والتزييف اليومي، نطمح ان تُتحِفنا آلة العلم والاختراع، بأداة تكشف قريباً تزييف المشاعر.
اليمامة- 10/12/2020