أدرك الانسان بإن العالم من حوله، في سباق محموم نحو مستقبل واعد ، لا يحتمل التوقف.
ولأنه جزء من هذا العالم. كان من الطبيعي ان يشعر بالإغراء، ويشارك في ذلك السباق.
فبدأ بالهرولة، للإلتحاق بحلبة العلم والمعرفة. وما أن ضمن ترتيبه في السباق، وقبل أن يصل للنهاية، دخل حلبة أخرى، في تحد لخوض سباق العمل وتأمين المعيشة. ليتحول بعدها، إلى شريك في صناعة الإنجازات، ومنافس قوي في حلبات التنمية والتقدم. وبينما يخوض تلك السباقات المتعددة، وجد لنفسه سبيلا، للمنافسة في حلبة تأسيس منزل وأسرة.. وهلم جرا.
وهكذا، بدأ بامتلاك القدرة على اختصار الزمن، وخوض عدة سباقات في آن واحد، مما ضاعف من سعة طاقته، دون أن يشعر بأنه برمج طموحه على الفوز، ودرّب نفسه على سباقات الجهد، والمسافات الطويلة. فلا مجال لشيء أن يُعطله، أو يوقف من طموحه، أو يغلق شهيته التنافسية.
إلى أن جاءت تلك الهجمة المباغتة على الأرض، فلم تجبره على الإبطاء من سرعته، بل أربكته وعرقلته وأطاحته، وأوقفته تماما.
فلم يتوقع الانسان الحر، أن تسوقه أقداره يوماً، ويصبح تحت الإقامة الجبرية، وقضاء جل وقته في المنزل، بل كان يعتقد بإن البقاء في المنزل، مضيعة وقت، وعرقلة للسباق الذي كان يقترب فيه من خط النهاية.
فجلس في منزله مضطراً ومتخوفاً من شيء لا يراه. تذمر قليلاً حين طال الانتظار، ثم تكيّف، وتصالح مع محيطه. فلم يتعرف على نفسه وأسرته فحسب. بل فتح حقيبة هواياته المهملة، واستخدم مهاراته المنسية، وأعاد اكتشاف جودة ونعم الحياة.
لم يتوقع بانه يملك تلك المساحة من الهوادة و الصبر ،بعد أن فقد اعصابه أكثر من مرة، أثناء التعامل مع التفاصيل الصغيرة في المنزل، والتي قرر حينها بأنه لا يملك صبرا أو طول بال ، ولكن أثبتت له العرقلة المباغتة، بإن قراره كان خاطئاً. بعد أن أرته ما لديه من مهارات، وأفكار إبداعية، وتكاتف اجتماعي، وتدابير وقائية، وأشياء أخرى.
لماذا كان ينتظر تلك العرقلة، حتى يتغير إذن !
دون شك أربكت هذه العرقلة، نمط الحياة الاعتيادية، لكثير من الناس منذ بداية العام. فتركت البعض مع من يحب أو من يكره، وتركت البعض الآخر في عزلة تامة.
ولكن مع مرور الوقت، بلورت العزلة أفكارا جديدة، حول ما يجدر بنا القيام به، لتغيير وتحسين نمط الحياة التقليدي، بتقديم فرص مرنة ومتنوعه للحياة والعمل.
ربما لم يحظ الكثير منا هذا العام، بفرصة لوداع من غادرونا لرحمة الله، في ظروف قاسية واستثنائية لم تمر علينا من قبل. و مع ذلك ابتلعنا مرارة الفقد، وفي القلب غصة وتأنيب، من شدة الشعور بالتقصير.
ولكن، لم تكن التجربة برمتها مأساوية. بل برزت مؤشرات إيجابيه، كان على رأسها
أن تنفست الأرض هواء نقيا، واستمتعت الكائنات الحية، بطبيعة خالية من تلويث البشر ،والأهم أن أدرك أصحاب الأعمال والشركات، بعد أن قضينا نصف أعمارنا في وظائف بدوام كامل، بأنه يمكننا القيام بنفس الوظائف، من منازلنا دون عناء.
ليس هذا فحسب ، بل أجبرتنا العرقلة، على تسريع إجراءات تحسين أدواتنا التقنية، وإصلاحها من أجل وضع خيار الدراسة والتعليم عن بعد، كأحد الخيارات الرئيسية.
الهجمة المباغتة على الأرض، لم تعرقلك بمفردك، بل عرقلت معك كبار العدائين حول العالم على هذا النحو الغريب، الذي لا يحدث عادة، ليس من أجل أن تعود كما كنت في السابق، بل لتستأنف حياتك بشكل مختلف. بأن تُبطىء من سرعتك وتتأمل حياتك، وتعيد ترتيب أولوياتك، وتنظر حولك وتستمتع بالمشهد.
اليمامة-17/12/2020