تمر علينا موجات عاتية أحيانا، تحمل من الأيام أعسرها. مثقلة بالمسؤوليات، والمصاعب والهموم، التي تتكدس على اعتاقنا بغتة. فيشق علينا حملها وتحملها. تلازمنا في تمرد طوال النهار، تأخذ من قتنا أجمله، وتأبى أن تفارقنا. فنُأمل أنفسنا بزوالها مع غروب الشمس. وحين يهبط المساء، يرحل هو الآخر عاجزا عن مسحها. فنواسي أنفسنا بتلاشيها بعد النوم، معتقدين بأنها ستُطفئ وتموت للأبد. فلا ترق لحالنا الأحلام، وتزورنا ليلة، كغلطة. ولا نعرف سبيلا، يغريها يوماً للعودة. فالرأس متخم، والفؤاد ملتهب، والضمير يستعر. فلا عتب على فرار النوم، من بال لا يهدأ.
في هذا العالم المتقلب، الذي أصبح يزداد غرابة، يوما بعد آخر. باتت أفكار ما قبل النوم، أكبر عائق أمام حاجة الإنسان للنوم سريعاً وبسلام. فما أن يضع رأسه، حتى يبدأ بمصارعة أفكاره يوميا، في معركة شرسة قبل النوم. يخرج منها أحيانا منتصرا، فينام قرير العين. أو يظل ينازل وينازع، حتى طلوع الشمس. لينسحب من المعركة، محطم الفكر. فيحاول إخفاء آثار هزيمته بفنجان من القهوة، قبل الذهاب الى عمله، أو ممارسة الروتين اليومي.
وهكذا، تصبح فكرة الاقتراب من النوم بالنسبة له، أمر مقلق. لأنه فشل أكثر من مرة، من الحصول على راحة لجسده المنهك، لعلمه المسبق، بأن كل تلك الأفكار، التي غزت عقله الليلة الماضية، ستلاحقه مرة أخرى. لأنه تركها عالقة في مكان ما، دون الاتيان بحل يلتهمها ويفتك بها، ويخلصه منها.
ظاهرة التفكير والقلق المفرط وقت النوم، لا تسرق ساعات طويلة، من عمر الانسان فحسب، بل تهدر طاقته، وتحرمه بشكل مستمر من الراحة. بسبب تعرضه لهجمات، تجمع كل المخاوف، والذكريات والمواقف الحزينة والمحبطة. ما دفع البعض، للاعتماد على العقاقير التي تقود للنوم، لإنهاء تلك المعاناة.
وكلما أفرغت المحطات ووسائل الاتصال، مزيدا من المعلومات، يمتلئ عقل الانسان، بمزيد من الأحداث والمواقف، التي كان في غنى عن معرفتها. خاصة حين تدفعه، لأن يرى قبح العالم.. أكثر وضوحا. وتورطه في مشقة التنقيب، عن جمال الحياة بين الأنقاض.
فتحت المعلومات المتدفقة، والأحداث المتسارعة، آفاقا ومساحة أكبر للإنسان للتفكير. فحولت الأدمغة، لمنصات استقبال وأجهزة تحليل. تعمل وبشكل مستمر، على فهم واستيعاب ما يحدث من جنون، في هذا العالم المترامي، وربط تداعياته وتأثيره، بشكل مباشر وغير مباشر، على مستقبل حياة الإنسان على هذا الكوكب.
ولا تجد كل تلك الفوضى الفلسفية فرصة، مثل وقت راحتك، لتغرقك بأفكار غير مفيدة، وربما لا تخصك. المهم أن تستحل وقت راحتك وتشغلك، دون أن تصل إلى نتيجة في النهاية. ولا تكتفي بذلك فحسب، بل تطلبك للمبارزة، وتلح عليك، الى ان تستدرجك في معركة يومية، في وقت تبحث فيه، عن حنان النوم.
فإن كنت تعتقد، بأن “النوم أرحم ولا الشكوى لظالم”، فتأكد بأنك لن تهنأ بنوم مريح، وأنت تؤجل حل مشاكلك وأمورك الشخصية. حتى لو أغرقك عقلك قبل النوم، بأمور تهمك، فالغرض واحد في النهاية، سرقة ساعات نومك، وسلب راحتك. فللعقل قوة، ان لم نتحكم به، تلاعب بنا.
لذا جرب يوماً، أن تقوم بهجمة استباقية، قبل أن تبدأ معركة ما قبل النوم. بتشتيت ذهنك، وإفراغ جميع الأفكار، والأمور العالقة على ورقة، حتى لو ملأت صفحات، الى أن تقضي على آخر فكرة.
فإن لم تنجح المحاولة، خذ الأمر ببساطة، وأبدأ بكتابة خطوط روايتك الأولى، بحس من الفكاهة. وإن كان صعبا عليك، تخيل بأنك تكتب رواية “ لا أنام”، من جديد.
اليمامة- 30/09/2021