كثيرا ما يخرج الأدب عن دوره الخيالي والإثرائي بالتنقيب عن أسرار وخبايا جديدة، أثناء بحثه المستمر عن الحقيقة.
فمن ضمن أدواته رؤية استشرافية تمنح الكاتب القدرة على استبصار المستقبل، خاصة حين يدفع التدوين خياله على امتطاء صهوة الدهر، والعدو بتفاصيل الأحداث خارج الخط الزمني، في رؤية ثاقبة تستقرئ المستقبل، قبل عودتها بنصوص جامحة تحمل نزعة تنبؤية خيالية لا يكترث بها الآخرون إلا بعد أن تحدث، وتبلغ تفاصيلها لمرحلة صادمة ومخيفة من شدة واقعيتها.
فعلى سبيل المثال، تنبأ “ألدوس هكسلي”، في رواية “عام جديد شجاع”. والتي صدرت عام 1932 بسيطرة العلم على حياة البشر بشكل مخيف، تُسخر فيه الآلة لخدمة الإنسـان، وتبرمج لتلبية جميع احتياجاته الأساسية والفطرية بمجرد ضغطة زر. ووصوله إلى حد الاستغناء عن الزواج، وتكوين الأجنة في قوارير عوضا عن الأرحام في عالم فاسد وغريب، تتلاشى فيه القيم، ويبلغ فيه التحرر لدرجة تختفي فيها المشاعر الإنسانية. وهذا بالفعل ما حدث، حين بدأ الناس في استخدام العلم لتجميد الأجنة، والتلاعب في صفاتها الوراثية، والتدخل في انقساماتها.
وربما تكون رائعة “جورج أورويل” (1984)، التي صدرت عام 1949، من أعمق وأشمل الروايات التنبؤية، التي استبصرت المستقبل السياسي المظلم لبعض دول العالم التي حكمها الطغيان والاستبداد والجهل، حيث قدمت وصفاً دقيقا للمدينة الفاسدة (الدستوبيا)، والطريقة التي تدار بها الأنظمة الشمولية.
وتدور تفاصيل وأحداث الرواية في مقاطعة تخضع لنظام سياسي مستبد، يصنّف الفكر الحُر كجريمة فِكر، ويجسّد فيه الزعيم دور الأخ الاكبر الذي يسعى لمصلحته نحو السلطة.
أثرت مصطلحات الرواية مثل: (دقيقتا كراهية، الأخ الأكبر، وجريمة فكر، والتفكير المزدوج، ووزارة الحقيقة) قاموس المصطلحات السياسية في كثير من الدول، وشجعت صنّاع السينما على اقتباس تلك المفردات في عدد من الأعمال الدرامية.
وكلما تقدم بنا الوقت نكتشف بأن خيال أورويل لم يجمح في تفاصيل تلك الرواية، بقدر ما أصبح الواقع أشبه بالخيال. فاليوم تنتشر كاميرات وتطبيقات المراقبة في كل مكان على الأرض، وتسجل الأقمار الصناعية كل ما يحوم حول غلافها الجوي. وبضغطة تبرمج كل الأجهزة الذكية للتجسس على الحكومات، وما هو أبعد من ذلك.
وفي “موسم الهجرة إلى الشمال”، التي صدرت عام (1966)، استبصر الطيب صالح حقيقة انتشار الأفارقة في أوروبا، وهذا ما يحدث تماما اليوم.
وحين تنبأ نجيب محفوظ عام 1966 في رواية “ثرثرة فوق النيل”، بهزيمة 1967 قبل أن تحدث، كانت تفاصيل الرواية، أشبه بالتحذير من خطر هزيمة محتملة، ولكن قوبلت الرواية بالنقد الحاد وغضب شديد من مجلس قيادة الثورة.
واستقرأ “جون برانر” في روايته، “الوقوف في زنجبار”. التي صدرت عام (1968)، وتصف كيف ستصبح الحياة عام 2010. متنبئا بظهور الأجهزة الإلكترونية، والمكالمات المرئية، وانتشار حوادث إطلاق النار الجماعي، تماما كما يحدث الآن، في المدارس والأماكن العامة في الولايات المتحدة.
وفي روايته “الغنم تتطلع لأعلى” 1972. تنبأ برانر أيضا، بوقوع كارثة بيئية، تؤثر على العالم، وتوصله إلى مستوى بالغ الخطورة من التلوث. ومنذ ذلك الوقت والكوارث البيئية تتنوع، من انفجار تشرنوبل، وتلوث المحيطات بتسربات نفطية، وانبعاثات الكربون، وغيرهم.
ولا يملك كل كاتب نفس الرؤية الثاقبة، التي تساعده على قراءة وتحليل الواقع، ثم التحليق به، خارج الإطار الزمني الذي يعيش فيه، لاستقراء المستقبل. فكل كاتب لديه قوة مختلفة. وإن تشابهوا في بعض الصفات.
ومن قرأ تفاصيل تلك الروايات بتمعن، لابد أن يشعر اليوم بكثير من الدهشة والغرابة. كيف لتلك الروايات التي تحمل تلك النزعة التنبؤية، أن تكون بتلك الدقة لما يحدث اليوم!
اليمامة- 09/09/2021