كل شيء في هذه الدنيا يخضع لقانون النهايات الذي ما ان يحين وقته حتى يجرف كل شيء في طريقه لينهيه على الفور مهما صمد أو امتد به الزمان، وهذا ما فعلته التعديلات الأخيرة التي جرفت ممارسات ظالمة ظلت لسنوات عالقة، لتنهي معها تاريخ حقبة طويلة من المعاناة، وتتبدد حالة الخوف والإحباط وعدم الثقة التي كانت تشعر بها عدد كبير من النساء، وحالة اليأس التي اعترت أخريات من حجم الظلم والقهر الذي تعرضن له على مر عقود من الزمن، على أيد ذكور وصل أغلبهم لمرحلة من جنون العظمة أوهمتهم بأنهم أسياد في الوقت الذي تخلصت فيه البشرية من التاريخ الأسود الملطخ بالعبودية، فأقنعوا أنفسهم بأن القوامة تعطيهم الحق الشرعي ليس في استعباد نساء بيوتهم فحسب، بل بيوت إخوانهم واخواتهم بعد وفاتهم، وأحيانا نساء الناس والمجتمع بأكمله، لوجود فكر فاسد ومتخلف كان يغذي غرورهم وجهلهم ويحجب عنهم المعنى الحقيقي للقوامة.
حتى بعض الأجهزة الحكومية التي كانت تتواطأ أنظمتها في انحيازها للسلطة الذكورية انتهت، وعليها أن تعمل سريعاً على تحديث أنظمتها لتتماشى مع حقيقة أن المرأة أيضاً «رب أسرة» كاملة الأهلية، لها الحق في إنهاء وإصدار أوراقها وأوراق أبنائها الثبوتية وكامل الإجراءات الرسمية والحكومية.
سنشهد الفترة القادمة كيف سينتهي «التمييز» الذي كانت تمارسه بعض الأجهزة والقطاعات مثل البنوك التي كانت ترفض رفضا قاطعا أن تفتح الأم لأبنائها حسابات بنكية، وتقصر ذلك على الأب فقط، ثم تعلق وزر المنع على قوانين مؤسسة النقد.
نشهد في الوقت الحالي نبرة جديدة من التنمر الذي أشعلته الخلايا الصحوية النائمة كرد فعل من حجم الألم الذي باتوا يشعرون به، بعد أن وضعت القيادة المنصفة النقاط الحاسمة على كل تلك الحروف المبهمة في حياتنا، وإن كانوا تخفوا أو يوارون حقيقتهم الفترة الماضية، إلا أن أي قرار يتناول حقاً من حقوق المرأة كفيل بإخراجهم على الفور من جحورهم.
ويعتقد أصحاب العقول المتأخرة والمتحجرة بالظلم بأن ما حصلت عليه المرأة من حقوق ليس من حقها، لأنهم لم يأذنوا به أو يختاروه بأنفسهم، بل يرون ما حدث خسارة وضرر لمصالحهم الشخصية، فكيف تُمنح حقاً واحداً من دون أن يستفيدوا منه بمقابل، فوجدوا أنفسهم في لحظة في مأزق خاوي الوفاض، فما أن عدّلت التأمينات الاجتماعية أنظمة التقاعد حتى خرجت الكائنات الانتهازية نفسها التي اعتادت الانتفاع برواتب زوجاتهم وأخواتهم وبناتهن يطالبون أن تتكبد المرأة جميع المصاريف وأن تسقط الدولة المهور، دام أصبح لها الحقوق والحريات نفسها التي يملكونها، في رد فعل مخزٍ جدا، وكأنهم يبحثون عن أي شيء ضدها ليثأر لهم من حزمة الحقوق التي أقرتها الدولة.
فأظهر بعضهم استخفافا وتهكما مليئا بالغل المبطن، فلم يخجلوا من المطالبة بأن تقوم بكل ما يقوم به الرجل، حتى لو تحمل على ظهرها أسطوانات الغاز أو جالونات المياه، كأنهم لا يدركون أن كثيرا من الزوجات حملن أثقل من ذلك على أكتافهن، إضافة إلى الجزء الأكبر من المسؤولية، في الوقت الذي كان فيه رجالهن يقضون جل أوقاتهم في جلسات سمر مع أصدقائهم في السفر والبر والبحر والاستراحة، وهذا دليل على حجم الجهل وضعف الاستيعاب، فإعادة الحقوق لا تلغي طبيعة المرأة النفسية والجسدية التي كفلها الشرع وسنّت من أجلها الدولة أنظمة لمراعاتها.
ورجوع حقوق المرأة ليس منحه من الذكور لكي يساوموها عليه، وإنما حرص وإنصاف من الدولة لتقوم بدورها ومسؤولياتها من دون تعطيل أو ابتزاز من كائنات لا تستوعب إلى الآن الفرق بين الحق والواجب، بل كائنات مقتنعة بأن تحقير المرأة وإفقارها وامتلاك حياتها حق من حقوقهم، فتجدهم حين يعرضون نموذج المرأة في الغرب، كمثال على مشاركتها الرجل في مصاريف الحياة، لا يكملون مثلهم ذاك للنهاية، ويعرضون كيف يتقاسم الرجل واجباته المنزلية كأب، ويساعد في تنظيف المنزل وإعداد الطعام ويتحمل مسؤولية رعاية أطفاله، بل يكشفون عن منطق طفولي غير ناضج لا يدرك العمق الحقيقي للأمور.
ولم يتوقف هذا «التنمر» على ما ذكرت فحسب، بل وصل الأمر إلى «تنمر» بعض من يُحسبون كخطباء لم يستطيعوا كبت حنقهم على تعديلات الدولة الأخيرة، ولم يشيروا إلى كل تلك الجهود المتطورة المبذولة في موسم هذا الحج، بل تركوا كل التغييرات الجميلة التي حدثت أخيرا ليخرجوا حقدهم المكبوت ودونيتهم على المرأة البائعة وكل امرأة تعمل مع رجال في صلاة العيد!
الرجال المحترمون يُشهد لهم في مجتمعنا بأنهم لا يتهربون من مسؤوليات بيوتهم، ولا يطعنوا في شرف نسائهم أو بناتهن العاملات، بل يفخرون أنهم قوَّامون بالواجبات والنفقة. الرجال المحترمون لا يخلطون أوراق الواجبات الشرعية بالحقوق الإنسانية، بل يدركون تماما الفرق الشاسع بين الحق والواجب.
إن مرحلة التطوير الحالية التي تشهدها الدولة تعد بنهضة حضارية فارقة تتطلب أن يعمل الجميع معاً للإسهام في تحقيقها، حتى تلك الكائنات المحسوبة كذكور عليهم أن يتحملوا مسؤولية القيام بواجباتهم كاملة من دون اتكالية أو استغلال النساء، فأهم سمة من سمات الرجولة الإحساس بالمسؤولية.. عليهم فقط أن يتعلموا لمرة واحدة كيف يكونوا رجالا.