كان ينطلق في شارع الملك عبدالعزيز يقود سيارته في المسار الأوسط لشراء بعض احتياجات صغاره المدرسية، وما هي إلا ثوان وقبل الوصول إلى الإشارة حتى سقط أمامه تاكسي من أقصى المسار الأيسر وضرب سيارته من نفس الجانب, ولأن سائق التاكسي لم يقدر المسافة حين انطلق مسرعا ليسقط أمام سيارة المواطن ضربها، وبعد أن أصبح أمامه اتجه إلى المسار الأيمن بسرعة جنونية لا يتصورها عقل ليهرب من مكان الحادث، طبعا الأولاد الذين كانوا مع والدهم في السيارة سقط أحدهم بين المقعدين والطفل الأصغر طار ليضرب في النافذة الأمامية …فما كان من الرجل بعد أن كاد يتوقف إلا أن أسرع ليلحق بالتاكسي الذي فر هاربا وضيق عليه وأوقفه، ترجل الرجل من سيارته وهو يكاد ينفجر من شدة الغضب، وأخذ يطرق نافذة التاكسي بعكازة كانت بيده يتكئ عليها لإصابة كانت في قدمه، طبعا جلس سائق التاكسي داخل سيارته ولم يحرك ساكنا ولم يفتح النافذة، جلس بكل ثقة إلى أن حضر رجل المرور، حضر أحد الشباب مشكوراً، وحين رآه سائق التاكسي ترجل من السيارة وبدأ بالصراخ وكأنه مضروب. رجل المرور كان سلبيا للغاية للأسف، قال بعد أن تفقد الحادث لمدة ثلاث دقائق: لنحرر المخالفة في المرور، وأخذ رخصة الشاكي والمشكو، وبدلاً من أن يعاين بدقة كان يستمع بأذن صاغية لصاحب التاكسي الذي ادعى بأنه كاد أن يتعرض للضرب بحديدة يحملها المواطن، وبالتالي تم تفتيش شنطة السيارة ولم يجد سوى عكازة الرجل، مع العلم بأن الرجل شرح له أنه كان يطرق النافذة بعكازته ولكن الجندي ترك السيارتين وركز على العكازة لأن الهندي يقول فيها حديدة – والعكازة أصلا كانت من خشب …طبعا الأخ كانت العكازة هي محور معاينته لأنه تحول فجأة إلى محقق جنائي وليس جندي مرور. وفي المرور كانت مسرحية ساخرة أبطالها الجنود الذين تولوا التحقيق في الحادثة، وبطلها سائق التاكسي المحبوب ذو الشعبية الكبيرة باختصار صاحب التاكسي كان يعرفهم جميعاً، يعني “فيه معرفة سابقة” (و يمون عليهم)، المواطن أبو العيال الذين طاروا في الحادثة تلقى أسوأ أنواع المعاملة لأنه فقط تحرك من مكان الحادث ولحق بالذي صدمه، ونحن جميعا نعلم مدى وقاحة وبشاعة سواقة أصحاب التاكسي في جميع مناطق المملكة، لا يهمهم سوى التوصيل السريع، يكاد يكون التاكسي السبب الثاني في الحوادث بعد السرعة والشاحنات لأنهم يقودون تحت تأثير”سيارتي مؤمنة”. وما الفائدة أن يجلس ينتظركم يا مرور والذي صدمه فر هاربا أمامه، على الأقل أنه تحرك وساعدكم وأوقفه، الدور والباقي على مجهوداتكم التي لم تبذل أبدا, فقط نقرأ عن مجهودات بذلت في حملة يكفي والآن أصبحنا نشك فيها. كلنا نعمل ولا أحد يقول إننا بذلنا مجهودات في أعمالنا لأنها بكل بساطة وظائفنا التي اعتدنا أن نقوم بها كل يوم، وحين تؤدون وظائفكم نقرأ عنها بالصحف بأنها مجهودات ضخمة بذلت. وفي أثناء تلك المسرحية الفاشلة قال أحد الجنود للمواطن: ” يا أخي تنازل أحسن لك من سين وجيم ومحاكم”، اعترض الرجل لحسم الخطأ بخمسين عليه وخمسين على صاحب التاكسي الذي فر من مكان الحادث وقال: وهل كنتم ستحضرونه وتقبضون عليه إذا أعطيتكم رقم السيارة؟ قال الجندي: ورفع له كشفا مليئا بأرقام السيارات: ” شف هذه أرقام سيارات عليها بلاغات من وين نجيبهم شوف لك كفيل أحسن لك وتنازل وكل واحد يروح في حال سبيله. آخر الزمن المواطن السعودي في بلده يحتاج كفيلا حتى لو لم يكن مخطئاً في عرف المرور الكريم. وصاحب التاكسي أموره مرتبة وخالصة لدرجة تثير الشكوك. يا للعار على هكذا تسوية تتم في دائرة حكومية من المفترض بأنها تفصل بين الناس بالحق دون تفكير أو نظر وكأن كل واحد يجلس في بيته أو بين أبناء عمومته أو يصالح بين أبنائه. عاد الرجل إلى بيته تلك الليلة بعد أن أصيب بحالة إحباط شديد وتمكن منه الغضب فتح الباب وقبل أن يلقي بالتحية على زوجته قال: أريد أن أبيع جنسيتي. وأقترح على الرجل في المرة القادمة أن يصدم من يصدمه ويفر هاربا لأن المرور لديهم كشوفات بسيارات مطلوبة وصعب القبض عليهم، فمن لم يستمتع في طفولته بلعبة تصادم السيارات في الملاهي ليستمتع الآن في الشارع المفتوح أمامه. في مساء إحدى الليالي التي خلت فيها الطرق السريعة من الازدحام وفي حوالي الساعة الرابعة إلا ثلث مساء كان هناك حادث تصادم في حي الجامعة في الظهران نتج عنه هروب الطرف الآخر المتسبب في التصادم ولأن الهارب كان هو المخطئ لم يتحرك الرجل الآخر من الموقع واتصل على 999 وبعد سبع دقائق تم الرد على الاتصال ليطلبوا من الرجل أن يتصل على عمليات المرور 993 اتصل الرجل بالرقم ولم يجب أحد، اتصل مرة ثانية على الرقم 112 من الجوال لعله يجد من يفيده، ولكن تم الرد عليه بأن ذلك” الحادث ليس من صميم عملنا” ووجهوه للاتصال بعمليات المرور 993 وبعد عدة دقائق أجابت العمليات وسألوه عن مكان الحادث وحين عرفوا بأن الموقع في الظهران أعطوا الرجل رقم تليفون مرور الظهران, وحين اتصل بمرور الظهران ظل 5 دقائق على الخط وفي النهاية لم يجب أحد، عاد الرجل واتصل مرة أخرى على 993 يعاتبهم قائلا: (المفروض أنكم العمليات التي تختص بالحوادث بدلا من أن تساعدوني أعطيتموني رقم مرور الظهران الذي لم يجب ) فقالوا له: إذا لم يرد عليك أحد في العمليات عاود الاتصال على الرقم 999 فأعادوه لبداية اللعبة السخيفة التي كان يلعبها الشباب للتخلص من الرجل وحادثه، ولأن باله كان طويلا اتصل مرة أخرى على 999 فطلبوا منه الانتظار مكان الحادث حتى تأتي دورية لمعاينة الموقع انتظر الرجل أكثر من عشرين دقيقة ولم يأت أحد، بعد أن قهره الانتظار والملل قرر الذهاب إلى مرور الظهران بنفسه في حي الدانة، حيث كان الشباب هناك ما شاء الله منهمكين بمتابعة مباراة البحرين وعمان التي ستحدد من سيلعب في المباراة التي تليها التي كانت بين السعودية والإمارات. طبعا كان هذا هو السبب الرئيسي للإهمال والتسيب والفوضى العارمة التي كانت تعج ذلك الوقت، فتخيلوا كيف كان الوضع أثناء مباراة السعودية نفسها. من شدة القهر قال لهم الرجل: هل لديكم دورية زايدة تذهب معي لمكان الحادث، التفت إليه الشباب بعد أن أعطوه ابتسامة عريضة ولا أدري هل معناها خجل من أنفسهم أم امتنان له لأنه تركهم يتابعون المباراة دون أن يثير لهم المتاعب وقتها. وأخيرا أرسلوا معه كامري من المرور السري الذي كان من الأفضل أن يجلس يتابع المباراة معهم لأنه لم يتم تخطيط الحادث ولم يتم القبض على المتسبب حتى هذه اللحظة مع العلم بأنهم يملكون أوصاف السيارة ورقم اللوحة. الحقوق الضائعة بين المواطن ورجال المرور إلى أين تتجه هذه السنة، ما معنى أن تكون هناك أرقام السيارات المخالفة والمرور لا يستطيع التوصل إليهم. المفترض أن تضع إدارات المرور خطة طوارئ ضخمة تعمل بها خاصة أثناء المباريات الدولية للمنتخب السعودي فقط ، وليس أثناء الأمطار أو عودة المدارس، ولا نحتاجها أثناء تشييد “كباري” أو في حالة انهيارات أرضية في منتصف الطريق السريع. أعطوا الرجل ورقة إصلاح وانتهى الموضوع وضاع حقه مثل حقوق آخرين غيره، وفوق ذلك خرج المنتخب مهزوماً في المباراة النهائية لكأس الخليج يعني لا فائدة من هنا ولا من هناك. قبل أن يطلب رجل المرور من الناس الالتزام بقوانين المرور ليلتزم هو أولا بالأمانة التي سيساءل بها يوما ما أمام ربه، قبل أن يتم تحرير مخالفة بألف ريال وخلافه، تأكد هل صحيح من حررت له تلك المخالفة يستأهلها، أم فقط ملزم بعمل مخالفات لكي ترضي رئيسك ولكي تظهر له بأنك كنت تعمل طوال الوقت، وضع بالحسبان احتمال أنك أخذت آخر ألف في جيب رجل محتاج لصرفها على عياله.
الوطن: 2-3-2007