تميل أغلب الشركات العالمية التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها إلى منح المديرين التنفيذيين مكافآت عالية، بحيث يبلغ «أقل» دخل سنوي للتنفيذي في أميركا بأكثر من 14 مليون دولار، وفي بحث صغير لتقصي السبب وراء ذلك، تجد أن أكثر الشركات الأجنبية تبرر بأن عوامل مثل تكلفة المعيشة تلعب دوراً هاماً في ارتفاع أجرة التنفيذيين وكبار المدراء، وكأن تلك العوامل لا يتأثر بها صغار الموظفين بل التنفيذيين فقط.
وربما أول من أدخل هذه الحسبة الجشعة إلى عالم الأعمال «جيمس ماكينزي» حين طرأت عليه فكرة أنانية في سنوات كساد شركته للتقليص من حجمها بعد أن عانت من خسائر فادحة، وذلك بعد أن طوّر طريقة حسابية تركز على التكلفة والربح فقط، طبقها عام ١٩٣٥ على «شركة مارشال فيلد» لمتاجر التجزئة، فانتعشت وعادت تربح من جديد، ولكن ذلك الربح جعل ١٢٠٠ موظف يخسرون وظائفهم، لتخسر الشركة على إثر ذلك ولاء بقية الموظفين داخلها.
انتعشت شركة ماكينزي في أميركا بعد الحرب العالمية الثانية، واشتهرت بإنعاش الشركات التي تحتضر بعد أن اقنعتها بتطبيق الفكرة القبيحة نفسها (خفض التكاليف وتسريح العمال)، التي تهدف إلى إفقار الإنسان وتجويعه، مع حرصها الخبيث على الحفاظ على زيادات رواتب المديرين التنفيذيين. لذلك، تجد أكثر من يلجأ لتطبيق هذه التوصية بالذات هم التنفيذيون، لأنها تحمي رواتبهم ومكافآتهم من أن تمس أمام أي خسائر أو هزات اقتصادية، كما أن أغلب ما تطرحه من نصائح يعد غطاء للمديرين التنفيذيين، فتساعدهم على افتعال وترتيب الحجج المقنعة لتبرير إخفاقهم أو إخفاء بصمات فسادهم.
وبعد أن صدّر النظام الاقتصادي الأميركي الرأسمالية حول العالم وصور خفض التكلفة وتسريح العمال كطوق نجاة للاقتصاد من الخسائر، بالغ أعضاء مجالس الإدارات من تنفذين وأصحاب شركات من تطبيق عملية الفصل، فأصبح المجتمع الوظيفي بأكمله لا يشعر بالأمان الوظيفي الكافي ليؤدي عمله بسلام، بعد أن فقد الثقة في صدقية مدرائه التنفيذيين، الذين دائما ما يبررون لموظفيهم بعد كل عملية فصل بأن التكلفة كانت أعلى من الأرباح، وأصبحت الخسارة تتحكم في نسبة الزيادات السنوية والعلاوات.
وفي الحقيقة، فإن الجشع والأنانية المفرطة أصبحتا تسيطران على حمايتهم لمكافآتهم السنوية، فلا يمكن أن يضحّي تنفيذي ويتنازل عن مكافآته المليونية في سبيل إبقاء عشرات البيوت والأسر فوق خط الفقر.
والمحزن يدرك الموظفين المفصولين حجم الأرباح التي تحققها المؤسسة أو الشركة التي يعملون بها، وكانوا يتابعون من دون حول منهم ولا قوة كيف تتقلص زياداتهم وعلاواتهم السنوية عاماً بعد عام، وما يزيد السخط حقاً حجم الأرباح البليونية التي توزع على ستة أو عشرة تنفيذيين فقط في الشركة نفسها، بينما كان بإمكان الشركة أن توزع تلك الأرباح على جميع العاملين أو تنقذ المفصولين.
فعلى سبيل المثال سجلت شركة صافولا في ٢٠١٦ خسائر تقدر بـ٤٥١ مليون ريال، ومع ذلك حصل مدراؤها التنفيذيون على ٢٥ مليون ريال كمكافأة لنهاية العام!
وفي العام نفسه قام البنك العربي بفصل ٤٤٣ موظفا سعوديا وأغلق فرعين وأوقف التوظيف للعام ٢٠١٧ بحجة تقليص التكاليف، وفي الوقت نفسه صرف مكافأة سنوية بقيمة ٤١ مليون ريال لستة فقط من كبار التنفيذيين بزيادة عن العام الذي يسبقه، أي أن كل تنفيذي من هؤلاء الستة استلم أكثر من ٦ ملايين ريال كانت تكفي لصرف رواتب المفصولين سنتين على الأقل.
قد نتفهم السبب وراء حصول بعض التنفيذيين لرواتب جامحة في الشركات العائلية بشكل خاص، فهم أصحابها ويديرون أعمالهم بطريقة هذا «حلالنا»، ويرون أن الأرباح من حقهم فيوزعونها كمكافآت بينهم ولا يرون أن جزءا منها مثلا من حق موظفي شركتهم أو كأرباح للمساهمين.
ولكن كيف للشركات والمؤسسات الوطنية التي تمتلكها الدولة أو لديها حصة كبيرة فيها أن تبرر هذا الارتفاع الضخم في مكافآت التنفيذيين سنوياً، على رغم الخسائر التي تدعيها بعض الشركات؟ ولماذا على الموظف البسيط أن يتحمل جميع الخسائر، بينما تكافئ الإدارات العليا في الشركات نفسها بسخاء؟
وهذا ما يثير الشكوك في صدقية المسؤولين التنفيذيين لبعض الشركات، خاصة حين يبدعون في اختراع أعذار، فمهما بلغ حجم الخسارة في أي شركة يتم التخلص من الموظفين في سبيل ألّا تقلص المكافأة السنوية لهؤلاء التنفيذيين، عوضا عن ذلك تجدهم يحاولون خفض حتى نسبة العلاوة التي يتقاضاها الموظف العادي كي لا يفقد التنفيذي قرشاً من مكافأة نهاية العام.. أليس هذا من الفساد والتنفع الشخصي؟ وكيف لا وهم من يوقع على كل شيء في الشركة؟
أغلب الشركات والمؤسسات الكبرى لديها نظام مالي واضح فيما يخص الموظف بتفاصيل أحيانا غير مقنعة ولكنها موثقه ومعلنة، تخرج للجميع من باب الشفافية التي تتشدق بها بعض قطاعات العمل، ولكن حصص التنفيذيين وكبار الموظفين تبقى دائما سرية وفي منتهى الغموض وكأنها معلومات حرب عالية السرية.
نريد إجابات: لماذا تتطور مرتبات ومكافآت التنفيذيين في الشركات على حساب خسارة الموظف العادي؟ هل فعلا يستحق التنفيذيون هذه الرواتب الضخمة؟ إذن نريد أن نعرف كيف توزع أرباح الشركات؟ ولماذا يأخذ الأشخاص نفسهم حصة الأسد وهم في الأساس يتقاضون رواتب عالية جداً على رغم الخسائر؟