الاستفادة والانتفاع من أي شخص من دون وجه حق، سواء أكان بسبب طيبته أم لجهله لأمر لا يعرفه، من التعديات والتجاوزات السافرة التي تحدث كل يوم ضد القيم والأخلاق الإنسانية التي فطرنا الله عليها، ولا يرتكب مثل تلك التعديات إلا الكائن الاستغلالي؛ فالاستغلال مرض نفسي وأخلاقي، إن أصاب شخصا ولم تكترث أسرته أو من في دائرة احتكاكه اليومي لمواجهته وإيقافه، يتحول الأمر إلى عادة مستحبة للكائن الاستغلالي يسهم من في دائرة تعامله والأسرة بأكملها في تضخمه وتحويله إلى وحش من شدة الطمع.
والاستغلالي كائن أناني انتهازي من الدرجة الأولى، لا يرى في الحياة سوى نفسه، يرمق العالم بنظرة أحادية ضيقة جداً، فمن لا يتفق معه فهو ضده، وإن لم تؤيد أفكاره الخاطئة فأنت بذلك تعلن له عداوة مباشرة، لا يتوانى فيها عن إخراج جميع أنواع الأسلحة التي تصلح ولا تصلح للموقف، فيتعامل بشكل مبالغ تجاه الأمور التافهة ويأخذها على محمل الجد ولا يحسن النية بأية حال من الأحوال، وإن بدت النويات طيبة تجاهه يقابلها بشكل مغاير تماما، فلا يوجد في عقله فكرة أن الحياة قائمة على حزمة من العلاقات التي ترتكز على مبدأ المساواة في تبادل العطاء، بل لديه قناعة تامة بأن الجميع عليهم أن يقدموا له ويمنحوه من دون مقابل، فالخدمة العظيمة التي يسديها لهم هو قبوله تلك العطايا السخية، وإن لم يُمنح شيئا يعمل على تحقيق مكاسبه الشخصية بطريقة غير أخلاقية، من دون النظر إلى مشاعر أو مصالح من حوله، فيتربص ليقتات على المواقف، وينقض على فريسته في لحظات الضعف للوصول إلى مآربه، فيبتزها بتظاهره بالخجل تارة، وبالأخلاق النبيلة تارة أخرى، ليسلبها كل ما تملك، لاعتقاد دفين في نفسه بأن كل شيء جميل في دائرة من حوله ليس حقه في أن يحصل على جزء منه فقط، بل من حقه امتلاكه كله، فنفس «الاستغلالي» لا تعرف مكانا بين الأخلاق، فلا إحساس بالكرامة ولا وعي بأبجديات المروءة.
وعادة نكون أكثر عرضة للاستغلال في المراحل الانتقالية في حياتنا، مثل انتقالنا إلى عمل أو قسم جديد، أو في بداية العلاقة الزوجية والتواجد بين أسرة جديدة، أو بعد الانتهاء من مشكلات معينة يكون ألم بها «الاستغلالي» مسبقاً.
والاستغلال يعيش معنا في كل مكان، في الحروب والنزاعات، تراه بعينك كيف يُعري الرجال حين يستغلون الأطفال ويبالغون في استخدامهم وقودا لتلك الحروب وأدوات ودروعا بشرية، وفي العمل ترى وجهه القبيح الآخر، في رئيسك حين يستغلك ويأخذ جل وقتك ويحملك أكثر من طاقتك، ملوحاً لك بترقية أو علاوة، فيدك نفسك دكاً وهو يعرف أنه لن يعطيك حقك في النهاية، بل كان يستغل إخلاصك وولاءك لسلبك فكرك وإنجازك وتجيير ذلك لمكاسبه الشخصية.
وأكثر محيط ينشط فيه الاستغلال هو محيط الأسرة والمعارف، ففي مشكلات الطلاق تراه في أبشع حالاته حين يستغل أحد الاطراف الأطفال وسيلةً يضغط بها على الطرف الثاني، وفي العلاقات الزوجية تراه بوضوح في صورة مخجلة حين يستغل بعض الأزواج محبة وإخلاص الطرف الآخر، فتجد بعض الأزواج إن لم يسلب زوجته راتبها أو إرثها أهملها وترك المنزل، في ابتزاز عاطفي تضطر معه إلى الرضوخ بسببه في النهاية خوفا من أن يتركها. والزوجة كذلك، ما إن تشعر بأن زوجها طيب القلب ويحبها تستغل ذلك أسوأ استغلال، فتتعمد ابتزازه مادياً وأحياناً معنوياً في كل خلاف لتترك له المنزل، وما إن يشعر المستغل بضعف من يتعامل معه يفرض سطوته عليه ويكمل استغلاله.
فإن كنت من الأشخاص الذين يميلون إلى إرضاء الآخرين، وبخاصة في محيط الأسرة، فعليك ألا تغذّي الاستغلال بالتجاهل أو بالتبرير لأصحابه، لأنك بذلك تسهم في إفساد فرد من أفراد أسرتك وتخرجه إلى الناس والمجتمع وهو مقتنع تماماً بأن من حقه الانتفاع من الاخرين من دون وجه حق.
ومن التعاسة التي قد تحدث، أن تجد الناس في محيط العمل والصداقة والأسرة يستميتون في التبرير للشخص الذي يستغلك، ويُحملونك مسؤولية استغلاله لك، بدلاً من الوقوف بجانب الحق ومواجهة الخطأ وإلقائه على عاتق من ارتكبه.
ويبقى الاستغلال باسم الحب من أسوأ أنواع الاستغلال الذي يتعرض له الإنسان، فهو من أكثر الحالات نشعر بها في قرارة أنفسنا، ولكننا نقابلها بالصمت، فلا نبوح به لمن يستغلوننا؛ لقربهم منا أو لمشاعرنا الجياشة تجاههم، فنستمر نتعذب باستغلالهم لنا بصمت، ونقنع أنفسنا بأنهم يبادلوننا المشاعر نفسها، إلى أن ننفجر في لحظة معينة، فمن يحبك لا يستغلك.
ولا يوجد استغلال مثمر أو استغلال إيجابي في كل الثقافات، الاستغلال سيّئ ويعبر عن قبح دفين في نفوس بعض البشر، لا يفقدهم الآدمية فحسب، بل يحولهم إلى كائنات لم نعرف لها تصنيفاً حتى الآن.
