من سابع المستحيلات التي لا يمكن أن تحدث في المملكة أن تجد أفراداً بجنسيات مختلفة يعملون في السلك العسكري أو الأمني، هذه الوظائف الاستراتيجية ليست فقط في منتهى الحساسية والخطورة، بل يعتمد عليها أمن واستقرار وطن وشعب ومنطقة بأكملها. لذا، تتم متابعتها من أعلى رأس الهرم في الدولة، فمن أهم شروط القبول أن يكون المتقدم سعودي الأصل والمنشأ، فعمق وجذور من يلتحق بالمهن العسكرية والأمنية من المتطلبات الأساسية للتوظيف والتجنيد.
ومن أكبر الأخطاء التي ترتكبها بعض الدول للأسف هو اسناد تلك الوظائف الاستراتيجية لجنسيات مختلفة، في مقامرة عبثية لا يحسب فيها حساب للمستقبل، بل تسهل من فرص احتلالها حين تُمكن الغرباء من السلطة للتحكم بمصير بلادها وشعبها.
وهذا ينطبق على جميع المناصب الاستراتيجية التي لا ينبغي أن تُسند إلا لـ«ابن الوطن» مثل مناصب الموارد البشرية والتوظيف، التي اسندت السنوات الماضية لجنسيات مختلفة استغل بعضها المنصب ليقود اقتصاد البلد إلى نفق مظلم وطويل، استهلك من وقتنا سنوات للخروج منه ولم ندرك نهايته بعد، بعد أن تم تمكينهم بشكل مبالغ فيه من قبل رؤساء ومديري تنفيذيين لم يدركوا الورطة التي آلو إليها حين وصلت القوى العاملة في السعودية إلى 15 مليون كان من بينهم 3 مليون عامل سعودي فقط.
وعندما قامت وزارة العمل بحملات لمطاردة المخالفين في توطين السوق، كان عليها أن تلتفت بالاهتمام نفسه لمطاردة الشركات والمنشآت التي تسند غير السعوديين على مناصب التوظيف والموارد البشرية إن كانت تسعى حقاً لخفض نسبة البطالة، وخاصة أن لدينا كوادر وطنية ممتازة تنتظر الفرصة من خريجي وخريجات برنامج الملك عبدالله للابتعاث من حملة التخصص القادرين على تطبيق ما تعلموه ووضع خطط وأهداف وطنية تخدم هذه المرحلة.
والمتابع لنمط مناصب الموارد في بعض المنشآت والشركات، من حيث إسنادها لجنسية محددة، لدلالة على خلل واضح وفشل ذريع في معيار الثقة لدى الإدارة التنفيذية في ذاتها، فمن يشكك في قدرات ابن وطنه كمن يشكك في نفسه تماماً، وخاصة أن أغلب موظفي الموارد البشرية حين تم استقدامهم للعم جاؤوا كخبراء ومستشارين، ومع ذلك لم يخدموا الشركة أو البلد على قدر ما خدموا أنفسهم في صناعة قرارات تصب في مستقبل بقائهم، من دون هدف تستفيد منه المنشأة سوى استمرار ارتفاع رواتبهم ووصولها لأعلى سقف، إلى أن يصاب المستشار بالغرور والتخمة بعد أن يؤلف فلسفة ويربطها بنظام العمل العالمي، مطالباً فيها بأهمية تنوع الثقافة والخبرات من دون تحديد نسبة لهذا التنوع، فيتم توظف مزيد من حملة الجنسيات الغربية بالذات باسم «التنوع»، واستقطاب الخبرات النادرة التي تمنحهم أعلى المميزات التي حددها وأقرها أبناء جلدتهم مسبقاً ممن يعملون في الموارد البشرية، فهل رأيت موظف موارد بشرية أجنبي يسعى ويطالب بالتوطين!
لم توفق وزارة العمل حتى الآن لوضع نظام أو إجراء يمنع الاستقدام لوظائف الموارد البشرية وبعض المهن الأخرى، قبل التأكد من عدم توافرها داخل المملكة، مثل ما يحدث في كثير من الدول، فلا يمكن أن تستمر الوزارة بترك هذه الثغرات وصناعة الأزمات بصمتها حيال هذا الأمر، ثم تسحبنا معها في دوامة لسنوات عدة من أجل إيجاد حلول.
لم تضع وزارة العمل نظاماً يُحمّل كلا قطاعي الأعمال مسؤولية وضع خطة زمنية محددة مع كل موظف يتم استقدامه لتدريب اثنين أو أكثر من حديثي التخرج على سبيل المثال، وتحديد عمر افتراضي لنقل تلك المعرفة والخبرة النادرة المزعومة، والأهم أن يحدث وعي للشركات بأن جميع وظائف الموارد البشرية والتوظيف ليست تخصصاً نادراً ليتم الاستقدام من أجلها، بل هي وظيفة استراتيجية لا تقبل سوى التوطين.
والسؤال الذي أود أن أطرحه على وزارة العمل؛ ماذا فعلوا حيال الـ93 في المئة من الموظفين الأجانب الذين تجاوزت أعمارهم الـ60 عاماً وما زالوا في القطاع الخاص حتى الآن؟ وخارج السياق، أتمنى من وزير العمل أن يطلب من المسؤول عن حساب وزارته على وسائل التواصل الاجتماعي أن يتوقف عن تضخيم أعمال الوزارة اليومية، فالوزارة مازالت بحاجة لنقلة وقرارات شجاعة تلائم صرامة الدولة في اتخاذها لقراراتها، مثل أن تطلق حملة شرسة لتوطين وظائف الموارد البشرية والتوظيف وملاحقة الشركات المتلاعبة بالغرامة والتشهير.
