“ تكفل أنظمة المملكة لكل إنسان حرية الرأي والتعبير، والحق في الحصول على المعلومات والأفكار ونقلها. مثل غيرها من بعض الدول.
ومن الوسائل الفاعلة التي كفلتها الأنظمة ما هو رسمي كالالتقاء بالملك أو ولي العهد، أو مخاطبة السلطة في الشئون العامة، كما جاء في المادة (43) من النظام الأساسي للحكم. ومنها ما هو غير رسمي، كالتعبير عن الرأي في وسائل الإعلام المختلفة، ووسائل التواصل الاجتماعي. وحذر النظام من الجرائم الالكترونية، ونشر ما يخالف النظام العام، وما يدعو إلى الإخلال بالأمن، والتعرض أو المساس بالسمعة أو الكرامة، أو التجريح أو الإساءة لأي شخص، وإثارة النعرات وبث الفرقة بين المواطنين وغيره”.
وفي الفترة الماضية، تابعنا نماذج فعلية، لمسنا فيها المراحل التطبيقية لهذا القانون. من خلال تنفيذ بعض الاحكام والعقوبات، التي أصدرتها المحاكم الجزائية، بحق بعض الافراد، نتيجة نشر تغريدات، واتهامات مسيئة بحق الآخرين.
ومن يتمعن في نمط التحريض السائد على تويتر بالذات. يجد بأن مرتكبيه، يمارسون نفس الأسلوب تقريبا. فما أن تجد فكرة أو قضية شيئا من القبول. أو تأييد للرأي بشكل عام، حتى تحدث ربكة غريبة. وإذا أثارت الفكرة غيرة، او حقد، أو غرور شخص واحد على سبيل المثال. يجد لنفسه مبررا، يحشد على أثره من لا رأي ولا شخصية له، ضد الذي طرح الفكرة. والتي كان الغرض من طرحها، أن تصل لصناع القرار، أو الوصول لأفضل الاقتراحات، التي تُطرح عادة في تلك الأثناء.
ومع ذلك يتمكن المحرض، من تكوين كتيبة من الحسابات بأسماء وهمية، تحوم من كل جانب، لتحريف معنى النص بأكمله.
وتنتشر عملية التحريض سريعا كالنار. بعد أن يتم الأعداد لها على مراحل متسارعة. تبدأ «بالإيعاز»، عن طريق وضع بذرة للفكرة المسيئة، التي يراد ترويجها عن الشخص، بتحوير المعنى الذي كتبه وتشويهه تماما. وإيهام الآخرين باستخدام أسلوب التكرار، بأن الشخص عميل أو خائن لوطنه. ثم تُرمى حوله، شِباك «الإثارة» التي تُطيح بأدلة جديدة، بعد “ التنبيش” المستمر في كتاباته، أو تغريداته القديمة، وحتى المحذوف منها. بتصويرها أو توثيقها، لتقوية أركان التهمة، المراد تلبيسها له.
ويعتبر “ الايعاز والاثارة والتنبيش”، أدوات كافية لجذب وتجنيد البعض للمساعدة، بالانضمام لحلف المحرضين، في كشف عدو الوطن، الغائب عن أعين العدالة!!
وما أن تعلن أي جهة، عن التحقيق في صحة ما يثار مثلا على وسائل التواصل. يدخل حلف المحرضين بكل اريحية لمرحلة «التعزيز»، بتقديم الدعم المعنوي لبعضهم البعض، ضد الشخص المستهدف.
وأسوأ ما نراه في تلك المرحلة «التحبيذ». حين يشيد المحرضون باتهاماتهم الباطلة، ويمجدون ما كشفوه وما اكتشفوه بذكائهم الخارق.
وإذا كان التحريض يُعرّف في القانون الجنائي، على أنه تشجيع من شخص أو مجموعة، لشخص آخر على ارتكاب جريمة.
فكيف يتناول القانون أمر تنبيش الفرد، في الآراء القديمة للآخرين، ومن يختلفون معهم؟!
يملك كل انسان، حزمة من المبادئ والآراء والقناعات. التي من الممكن أن تتبدل وتتطور، تجاه بعض الأمور. وتغيرها يعد أمرا صحياً للغاية، خاصة ان كانت تتطور تبعا للمعطيات الجديدة، التي يستقبلها عقل الانسان يوميا، لتحديث معلوماته. فمن الجهل، أن نعتقد بأن الأفكار والقناعات ثابته لا تتغير، ونحن نعيش على أرض تدور وتتبدل بشكل متواصل!
ممارسة النبش في آراء وحياة الآخرين، للتحريض عليهم. يعتبر تعدياً وسلوكاً مشيناً. تجاوز فيه الجهل، حدوده تماما. كمن يُحرض العالم، على أن النمو الفطري والتطور الطبيعي، الذي يطرأ على كل شيء، من مقومات الحياة الأساسية والإنسان، يعد جريمة وخيانة للأوطان!
اليمامة- 26/08/2021
مقال ثمين وعميق .. شكرا لك