لا يوجد تجربة تؤكد، بأن الحياة ينبغي أن تكون، هانئة ثابته طوال الوقت، لأن ذلك لا يحدث عادة في الواقع.
ما يحدث هو، أننا نحبس أنفاسنا بذهول، حين نرى كيف ترفعنا موجة يومنا الواحد، وتسوقنا لأقصى مدى، فتربكنا وتدفعنا للتشبث بكل شيء حولنا، قبل ان تهوي بنا في غفلة، لتكسرنا وتبعثرنا وتقذف بنا في مكان مجهول، نتيه فيه بعض الوقت، نتلمس طريقا للعودة.
يمر علينا في اليوم الواحد، الكثير من الأحداث والمواقف المتقلبة، وغير المنطقية. والتي من المفترض أن نستوعبها ونحللها ونتفاعل معها سريعا قبل استقبال معلومات وأحداث جديدة.
والسرعة التي ينبغي، أن يحدث فيها كل ذلك، تُدخل بعضنا، (إن لم يكن أغلبنا)، في دوامة من الحيرة والتقلبات النفسية. التي لا نتمكن أحيانا من فهمها وتحملها بمفردنا، وقد يصدف ألا نكون قد تعرضنا لها مسبقا ،فلا نرتاح ولا يستقر تفكيرنا حولها، لأننا لا نملك تلك الخبرة المثالية، للتعامل مع جميع حبال المواقف، وردود أفعالها المختلفة، التي قد تحدث في أنفسنا. أو لاحتوائها بتلك السهولة والسرعة، التي يتوقعها منا الآخرون.
وإذا اقتحمت الحيرة فكر الإنسان ونفسه فإنها تُغمر مشاعره فوراً بالعجز والتردد، فكل حيرة تتملكه، تُدخله في سباق مع نفسه، في حلقات مفرغة تسرق من وقته وصحته وحياته، أثناء دورانه، دون هدف واضح أو نهاية. فيظل عالقا في حركة مكوكية مرهقة، الى أن يعتاد الأمر، خادعاً نفسه، بأنها انتهت من تلقاء نفسها. وفي الحقيقة، لا توجد حيرة، تتلاشى من تلقاء نفسها، بل ينبغي كسر حلقاتها بالمنطق، وليس بالوهم، لأنها تعود مرة ثانية.
وتتعقد شِباك الحيرة عادة، من عدم فهم الإنسان لِما يدور حوله، ومع ذلك يُفرض عليه اتخاذ قرار، فيخلق ذلك حالة من التردد والقلق. إن طالت مدة تلك الحالة، تتحول الى عصبية وغضب، تُعطل طاقته ومواهبه وإمكاناته وتؤثر سلبا على عملية التفكير العقلاني، باتخاذ قرارات خاطئة. لم يكن ليتخذها، حين يكون في أفضل حالاته النفسية. وإذا فقد الإنسان رؤيته الصائبة للأمور، حتما سيؤدي به ذلك لاتخاذ قرارات خاطئة، قد تفسد حياته.
محاولة الوصول لقرار نهائي في بعض الأمور، تجعلنا عالقين في حيرة دائمة. يتملكنا فيها الخوف من اتخاذ القرار. وهذا الخوف يسبب حالة من الارتباك والاضطراب، خاصة إن كانت حياتنا ستتغير تماماً، نتيجة لذلك القرار. فقط إن لم نكن بتلك الدرجة العالية من الصدق مع النفس، والتي لا يمكن الوصول اليها بتلك السهولة، الا إذا كان المرء يفهم نفسه جيدا، ويستطيع التعرف على الفروق الصغيرة بين مشاعره واحتياجاته، ويدرك الحجم الحقيقي لقدراته. والأهم ألا يزيف أي صفة أو قدرة لا يمتلكها.
والأمر الآخر، أن يكون لديه درجة عالية من الوعي الذاتي، الذي يساعده على الادراك، وتتبع الطريق، الذي قد توصله اليه قراراته، قبل أن يتخذها.
لحظة الاختيار أثناء اتخاذ القرارات المصيرية، من أكثر اللحظات صعوبة على النفس، وربما الأكثر قسوة، فهي ليست كالاختيار بين نكهتين من نكهات المثلجات، او بين ألوان الملابس. فدائما ما تكون مصيرية وحاسمة، يدرك فيها البعض خطورتها، والمجازفات المصاحبة لها. لذا يظل بعضنا عالقا في دوامة حيرته لسنوات وسنوات، تضيع من عمره ووقته، لخوفه من مغامرة التغيير، التي قد تطرأ على حياته.
قال “نجيب محفوظ” يوماً: “ما أشد حيرتى بين ما أريد وما أستطيع”..
لذا سنظل.. في حيرة دائمة!
اليمامة- 19/08/2021