في كل منزل حول العالم، قد تجد شخصاً واحداً على الأقل، يقف صامداً قوياً بمفرده، كالمنارة. ينير طريق العابرين في حياته، من دُجى الليل. وفي النهار، يقف شامخاً كالعلامة، لمن يضل طريق العودة.
وعرفت البشرية، منارة الإسكندرية، كأول منارة في التاريخ، لتظهر بعدها عدة منارات، في كثير من الدول حول العالم. والتي تمنح رؤيتها، على أطراف الشواطئ والمحيطات، الشعور بالأمان، للبواخر والمراكب العابرة.
وهناك الكثير من المنارات البشرية، التي نعيش في كنفها، ونتقاطع معها في حياتنا. دون أن ننتبه لوجودها. أو نثمن من قيمة ما تمنحه من عطاء في الخفاء. وربما لا نقدر جهلاً منا، ثقل الأعباء التي تُرفع عنا، و الوقت الذي تبذله، من أجل توفير وتقديم كل تلك المساعدات اللامحدودة، إلا حين تتوقف.
فحين يعتاد المرء، على الأخذ، دون مقابل. يعتقد بأن ذلك العطاء، يأتيه من نبع لا ينضب، وأن ذلك النبع الغني، حتما لا يحتاج شيئاً، لإن مهمته الأساسية، توفير احتياج الآخرين، دون التفكير بأن حتى النبع، قد يشتاق يوماً للمطر!
ومن البديهي، أن لا يشعر الإنسان الصغير، بحجم وجودة الخدمات، التي تنهمر عليه دون مقابل. ولن يدرك المعنى، وراء تلك المرونة، التي تحلّت بها المساعدات، حين كانت تتغير، وتتطور، مع تطور عمره، وتبدل ظروف الحياة. إلا حين يكبر، ويكتشف بنفسه، بأن كل ذلك السخاء، كان يأتيه من أحن منارة، قد تمر على الإنسان. والتي ظلّت تنير له طريقة، وتدله نحو شواطئها الدافئة، في كل مرة تلتبس عليه الاتجاهات. إلى وقت مغادرتها في الرحلة الأخيرة.
ويقضى البعض جُل حياته كالمنارة، بقناعة أن السعادة الداخلية، تكمن في مساعدة الآخرين، بالرفع من أثقال همومهم، وتخفيف أعباء الحياة عنهم. لأن قيمة الإنسان، تتجلى في أفضل صورها، أثناء مساعدته للآخرين. تعزيزا لنفس المبدأ الذي ينطلق منه، أن على العبد، أن يكون في عون أخيه. يشعر بمعاناته، ويحرص على تلمس حاجته، وتسهيل حياته، دون أن يكبده، عناء السؤال والطلب. فإن قام الإنسان بكل ذلك، وسمى وتجرد من الأنانية. فهو في الأصل منارة.
و ينصح خبراء العلاقات الإنسانية، بأن أي لطف يبديه الإنسان، في تعامله مع الآخرين، لجعل حياتهم أفضل، لا ينبغي أن يقابل بالجحود أو الإهمال، فهو من البداية، ليس ملزماً. ولن يحتاج أي شيء للتوقف، إلا حين يقابل جهوده وعطائه بالإساءة.
فكثير ممن حولنا، فوجئوا بعد أن كرسوا حياتهم، لإنقاذ آخرين، من مخالب الحياة. أن تم التضحية بهم، من قبل من أنقذوهم، في أول فرصة سُنحت لهم، ودون سبب !!
إذا كان في حياتك، من يقدم خدمات مجانية كالمنارة. محبة بك ولطفا منه، ولم تفهم بأنه جُبل على خدمة الاخرين، ويحب مد يد العون لهم. وقابلت ذلك بالإساءة، بدلاً من التقدير. حتما سيتوقف كل شيء. وليس من حقك الاعتراض، أو التذمر. فهناك قيم كبيرة ، تُغلّف خدمات، المعطاءين، ليست بالضرورة مادية. فلا تتوقع إن ضربت منارة، بمطرقة من حديد، ستبقى كما هي، بل ستتصدع، وتتوقف خدماتها، وربما تهدم فوق رأسك.
فإذا انتشر التصدع، وأصبحت مرحلة التفتت وشيكة. من الحكمة أن يتوقف الإنسان عن العطاء. والتخلص من جميع الأدوار، التي ألزم نفسه بها، ويبدأ بمساعدة نفسه في المقام الأول، ويعيد ترميم حساباته. وربما كافياً ذلك الوقت، أن يضع لوحة تعلن، بأن المنارة تحت الصيانة.
اليمامة- 15/04/2021