في أحد الأزمنة الباهتة التي مرت على كوكب الأرض، وأثناء دورانه المستمر، ألقي بي للعمل في احد المستشفيات الكئيبة، التي طغى فيها اللون الرمادي على لون الحياة الطبيعي، وحتى على لون البياض الذي تكتسي به المستشفيات عادة.
كل شيء كان رماديا ولا شيء سوى الرمادي، وبعض من درجاته لإضافة شيء من الإبداع على لون الكآبة. فغطت الجدران والارضيات، والأسرة والشراشف والبطانيات وملابس المرضى، حتى ملابس حديثي الولادة!
كان المستشفى عبارة عن جامعة للدول العربية، يتغلغل داخلها نظام صغير للاتحاد الأوروبي. تحمل جميع الاضداد من الثقافات المختلفة والغريبة بعض الشيء. والتي تجعلك تدرك بعد أشهر من العمل، كيف كان يقضى هؤلاء الناس جل وقتهم، يتعاملون مع بعضهم البعض بمهنية عالية، وهم يعرفون بإن نصفهم الأول يمقت النصف الثاني.
كل يوم في منتصف الظهيرة، وبالتحديد ساعة الغداء، تذرع غرفة الاستراحة بقلق بغيض ، موظفة نحيفة من قسم المختبر، بوجه حزين وعينين حمراوين، توحي للآخرين بأنها ليس على ما يرام. فتضطر إحدى الموظفات ان تسألها عما أصابها. لتلقي بنفسها بطريقة سينمائية على المقعد، وكأنها تنتظر هذا السؤال، لتغطي عينيها بكفها الأيمن قليلاً، وتهز رأسها قبل أن تأخذ نفساً قوياً، أعلى بكثير مما إعتدنا على سماعه اثناء الشهيق. لتقول بصوت يملأه الأسى: “ لا أستطيع أن أتجاوز حقيقة ما حدث في المحرقة”. وتبدأ بسرد قصة “ الهولوكوست” وغرف الغاز، ثم يرتفع صوتها: “ هل تعرفون معنى القتل بغاز أول أكسيد الكربون ، التي أوحت للنازيين بفكرة الإبادة الجماعية. هل تستطيعون أن تتخيلوا كيف تم إبادة اكثر من ستة ملايين يهودي، على أيدي النازية” !
وتسترسل في وصف ما حدث في معسكرات التكثيف والابادة، وتستمتع في توضيح الفرق بينهما. وكيف يتم تجميع المساجين في معسكرات التكثيف لفترة، قبل أن يتم نقلهم إلى معسكرات الإبادة.
وهكذا، كانت تسهب إلى أن تصل لوصلة البكاء الهستيري. فتتحول غرفة الإستراحة إلى صالة عزاء، حين تنتحب معها بعض الموظفات كنوع من المجاملة بشكل يثير الجنون، فلا يمكن أن تصدق، بإن كل تلك الدموع التي تنهمر كالشلال، كانت تنهمر على كارثة وقعت منذ أكثر من 120 سنة.
المشكلة لا تكمن في تفاصيل الجريمة التاريخية، بل لم يكن أجدادها ولا أجداد أجدادها، من أصول اوروبية أو يهودية، لنبرر سبب حزنها اللامتناهي ، وكأنها لا تعرف كيف تتناول غداءها يوماً، أو تترك الآخرين يفعلون، دون أن تستضيف النكد على المقعد المجاور.
الشخص النكِد لا يعرف سوى النكَد. يُخزّن الإساءة ليستدعيها، كلما تاقت نفسه للتنكيد على نفسه أو على من حوله. يتلذذ بإستحضار الحزن في جميع الأوقات، حتى لو مرت عليه لحظة سعادة. فما أن يشعر بإن الآخرين إنتبهوا لفرحه، حتى يتدارك نفسه ويلملمها، مبرراً بأنه كان يحاول إجبار نفسه على الشعور بالفرح من أجل إسعادهم فقط. ثم يذكرهم بجميع الحروب والجرائم والأحداث المأساوية، وتاريخه الطويل مع التعاسة الأبدية.
في صباح مُبهج، عرفنا بإن موظفة المختبر النِكديه، غادرت لقضاء إجازتها السنوية، فتنفسنا الصعداء وعرفنا بأننا سنحظى أخيرا باستراحة حقيقية.
ما أن ولجنا إلى غرفة الاستراحة في منتصف الظهيرة, حتى وجدناها تنتظرنا بعينين حمراوين وإبتسامة مصطنعة قائلة: “ لم أستطع المغادرة، دون ان أودعكم”!
ودون أن تنتظر لنسألها ما بك. ألقت بنفسها على المقعد وأردفت: “ لا أستطيع أن أنسي عدد الذين ذابت جلودهم بعد إلقاء القنبلة النووية على هيروشيما و ناجازاكي !!
10/09/2020- اليمامة