يبدأ الإنسان رحلته في الحياة بطرح العديد من الأسئلة. التي لا تتوقف عند الحصول على إجابة واحدة. بل تدفعه لطرح أسئلة مختلفة، تدل على تطور حجم الادراك، وزيادة الوعي بما يدور حوله. خاصة حين يبدأ بطرح أهم الأسئلة، عن ماهية وجوده، وعلاقته بهذا العالم ودوره في الحياة.
ومن يربون أبنائهم على الخوف، والعيب من طرح الأسئلة الجادة. لا يدركون أنهم يحدثون بذلك خللا وفجوة، في عملية البناء التلقائي لشخصياتهم، بسبب وضع منطقة عازلة بين عقل الطفل، والأشياء العادية التي كانت نفسه تلح عليه معرفتها، وحين يكبر ، تصبح شخصيته ضعيفة أو خائفة ومترددة، بسبب جهله بحقائق عامة وأساسية.
وأكثر الأسئلة وأصعبها، تلك التي يطرحها الإنسان على نفسه أثناء بحثه عن الحقيقة، مقابل ما يراه ويسمعه من زيف. وتلك الأسئلة، تسلط الضوء على تصرفاته وقراراته، وتمنحه فرصة لمراجعة خياراته، أو تقييم الفرص أمامه. وأفضل أنواع الأسئلة الذاتية، تلك التي تشعر المرء بعدم الراحة، وتلح عليه بأخذ وقت أطول للتفكير.
ويخشى كثير من الناس، أن يُطرح عليهم سؤال واحد، حتى لا تتكاثر الأسئلة. فبعض الأجوبة، من شأنها أن تثير تساؤلات جديدة، تسبب لهم حرجا، والنفس البشرية بفطرتها، تبحث عن كل ما يُحجب عنها، ولا تتوقف عن البحث حين لا تحصل على أجوبة، بل تبحث عنها في مكان آخر، وبطرق مختلفة.
وطرح الأسئلة له طرق وأهداف مختلفة. فهناك أسئلة للتوضيح، والربط، والتعمق والتوسع.
فسؤال الاستيضاح مثلا، ينبغي أن يطرح “بوضوح لا يقبل الشك”، إذا كانت الرغبة هي الحصول على إجابة بنفس الوضوح. أو بدقة وبيان أكثر. لأن المعلومات ستبقى دونها ضبابية.
ويلجأ الإنسان بطرح أسئلة الربط، لتوصيل المعلومة القديمة لديه، بمعلومة أخرى جديدة. تسمح له بتجميع المعطيات، للحصول على نتيجة منطقية.
والنتائج المنطقية، هي ما تدفع الانسان، للانتقال لأسئلة بها مزيدا من التعمق، للوصول لمستوى أعلى من الوعي والفهم. فتجد في تساؤلاته شيء مثل ( لماذا فعلنا هذا، بدلاً من ذلك، بينما لدينا كذا..)، الى أن تلقي المعلومة بمرساتها وتستقر داخله. وطرح الأسئلة التوسعية، ليست محاولة للاستفزاز ، كما يعتقد البعض. بل محاولة، لوضع جميع المعطيات والأجوبة، في إطار واحد، يسمح برؤية الصورة كاملة.
مرتبطين على الأرض بحركة كونية متعاقبة، تحدث بشكل منظم ودقيق. وطرح الأسئلة ما هو إلا جزء من تفاعل الانسان، مع تلك الحركة. لذا كان من الضروري، أن يطرح كل الأسئلة ليتعرف على نفسه، ويجد لها مكانا في هذا العالم. ليدرك طبيعة من يتحدث معه، و من يجاوره، و من يعمل معه، حتى من سيقضي العمر معه. ومع ذلك لا يطرح الكثير منا كل الأسئلة المهمة، التي تتعلق بأدق تفاصيل حياته، ومستقبله في مرحلة اختياره للشريك قبل ارتباطه، أو زواجه.
والمفارقة البشرية، أن تجد المرأة بطبيعتها، تحب أن تطرح الأسئلة، لأن الوصول للحقيقة، يشعرها بالارتياح والأمان. بينما تجد فئة من الرجال، ( وربما كل الرجال) يشعرون بالامتعاض، حين تُطرح عليهم الأسئلة. وقد تؤخذ المسألة بحساسية، وتدخل في تعقيدات أكبر، لو كانت المرأة هي من تطرح عليه تلك الأسئلة، حتى لو كانت أسئلة عادية. فأغلب الرجال، يعتقدون بأن أي سؤال من شريكاتهم، محاولة للاستدراج، لمعرفة ما يخفون. حتى لو كان السؤال عن الطقس في الخارج، تبدأ صافرات الإنذار ترتفع بداخلهم. مع أن طرحها لكل تلك الأسئلة، هو ما جعل منها تلك “المذهلة” ، التي عبر عنها الشاعر ..بأنها “ تملأك بالأسئلة “.
اليمامة- 18/03/2021