هاله القحطاني
  • الصفحه الرئيسيه

  • مقالات

  • إصدارات

  • من حافة المجرة

  • مُنع من النشر

  • أقلام صديقة

  • حوار

  • حكاية صورة

الموقع الشخصي للكاتبة هالة القحطاني

  • الصفحه الرئيسيه

  • مقالات

  • إصدارات

  • من حافة المجرة

  • مُنع من النشر

  • أقلام صديقة

  • حوار

  • حكاية صورة

حكاية بدوي شجاع

الشرق | 0 تعليقات

 

يحكى أن المخاض فاجأ امرأة من البدو الرُحل، تُدعى «عتقاء» في بادية صغيرة، تُعرف باسم الصويدرة. وتبعد 60 كم شرق المدينة المنورة. كانت عادة البدويات ذلك الوقت، حين يأتيهن المخاض، ينتحين ويبعدن عن الحي، ولا يأخذن معهن سوى المولدة، التي عادة ما تكون قريبة. أخذت «عتقاء»، زوجة أخيها «فاطمة» لتعاونها على إنهاء تلك المهمة الصعبة ذلك اليوم. وبعد أن وضعت، بحثت فاطمة عن شيء لتربط به الحبل السري للمولود، فلم تجد سوى قلمٍ رصاص، كانت قد أخذته منذ خرج ابنها الذي كان يدرس في الكُتّاب، حيث اعتاد البدو آنذاك، ربط الحبل السري للمولود بشيء يتفاءلون به فيما بعد، فإذا رُبط في سيف يتفاءلون بأن يصبح مُحارباً شجاعًا، وإذا رُبط في عصا سهم، حتى لو كان مكسورا يتأملون بأن يصبح صيادا وهكذا. عادت فاطمة ذلك اليوم إلى الحي، تبشر الناس بأن «عتقاء» رزقت بولد، ولم تكتف، بل بالغت بأن الولد سيصبح «كيتب» كما نطقتها بلهجتها البدوية، وتعني كاتبا، متفائلة بالقلم الذي ربطت به حبله السري، لتترنم بنبوءتها، حتى كادت تصدقها جازمة بأنه حين يكبر، سيصبح متعلما ويكتب بخط جميل. جميلة هي أحلام الناس التي يُمنّونَ أنفسهم بها، نستكثرها عليهم كثيرا ونخضعها لنظرية الوجود والواقعية ونتعمد فلسفتها أكثر من «نيتشه» نفسه. ومع ذلك، تحققت نبوءة فاطمة بشكل أكبر مما كانت تتوقع، لأن ذلك المولود لم يكن سوى الكاتب المسرحي والناقد الساخر «محمد السحيمي».
‎قبل أن يكمل الثالثة، توفيت والدته غفر الله لها، وهي توصي الجميع عليه، بسبب الأمراض التي حاصرته منذ ولادته، فاضطر والده من نزع نفسه من البادية إلى جدة، من أجل البحث له عن علاج. وهناك، دخل محمد المدرسة متأخراً، بعد أن تجاوز الثامنة، وبعد شهرين فقط من التحاقه، ظهر نبوغه في القراءة والكتابة، فمنذ سنواته الأولى في البادية، كان يتحدث بفصاحة وبلاغة، ويحفظ الشعر ويرويه، حيث كان والده الذي كان يصحبه معه في مجالس البادية، التي كانت مصدراً للجرأة و تغذية الخيال. لفت نظر إخوانه حين بدأ الكتابة بخط جميل، لدرجة اعتقد فيها معلموه بأنه يستخدم الورق الشفاف من براعة خطه وإتقانه، وبدلا من مكافأته، اضطر لتبرير نجاحه، ولم تهدأ شكوكهم، إلا بعد أن كتب أمامهم. وعملية التشكيك تلك لم تتوقف في طفولته، بل كبرت معه.
‎في أحد الأيام، حين كان في المرحلة المتوسطة، نصحه مدير الإدارة التعليمية، بأن «لا يرضى بأنصاف الحلول» ومنذ ذلك الوقت لم يرضَ. اشتد عليه مرض الربو، فاضطر لترك دراسة الطب في جامعة الملك سعود أثناء انطلاق تيار الصحوة، حيث كان خطاب الجهاد آنذاك في أوجه، وانتقل إلى الجامعة الإسلامية في المدينة، وانشغل بالاختلافات الفقهية. يعتقد بأن انتقاله للجامعة الإسلامية، أنقذه من مصير مجاهدي القاعدة، مثل ما اعتقد مجاهدو أفغانستان، بأن الجهاد في تورا بورا كان أفضل من البقاء في مقاعد الدراسة في جامعة البترول والمعادن.
‎أثناء عمله كمعلم، تعرض لأسئلة خلافية متعددة، كان يجيبها بما يعلم، حيث كان يميل لرأي وسطي غير متشدد يرى بأنها ليست محرمة، موضحاً في أكثر من مناسبة، بأن المسائل الخلافية لا تصل بالمسلم إلى درجة الكفر، ولكن اُعتبرت تصريحاته مجازفة كُفِّر بسببها، ولأن الكائن البدوي داخل السحيمي جُبل على الصدق لا يعرف تحريف الكلام أو المواربة، لم يصمت أمام الآراء التي اختلفت معه، فتم تهديده بالفصل مرتين من الجامعة الإسلامية. وزاد ذلك أثناء تحضيره للماجستير، فقط لأن الأستاذ المشرف على الرسالة كان الدكتور الفاضل عبد الله الغذامي، وموضوع رسالته طه حسين، ليتحزب ضده لوبي تكفيري، نفذ عمليات متسلسلة من التجييش والوشاية وشهادات الزور والاتهامات المُمنهجة، مارسها زملاؤه وتلاميذه ومديروه وبعض آباء الطلبة، حيث أخذوا على عاتقهم كتابة تقارير تحريضية ورفعها للسلطات، ولأن الزن أقوى من السحر، صدر حكم بسجنه، ليواجه مرة أخرى البدوي بداخله الذي لا يمكن أن يرضى بأنصاف الحلول، فلم يتراجع، لأن التراجع شيمة الجبناء، ولم يغير كلامه في التحقيقات، بل أصر على رأيه بكل شجاعة أمام المحكمة. فلم يقضِ في السجن سوى أسبوعين، إلا وصدر أمر بالعفو من خادم الحرمين الشريفين، ليعود إلى عمله بابتسامته الطفولية، يواجه زملاءه بأقوى سلاح يملُكه «التسامح».
‎السحيمي، من أذكى الكُتاب الساخرين، حين يكتب عن القيم الإنسانية، لا يشعر كثيرون كم يتألم بين حروفه ليُخرجها في قالبٍ فكاهي، لو التقى أحمد رجب أو جلال عامر أو برنارد شو، لأضحكهم بألم وأثار قريحتهم بسرعة بديهته.. حين تقرأ له أو تقُابله، ستلمس على الفور بأن داخل ذلك الحزين المضحك، رجلا شجاعا.. لا يرضى بأنصاف الحلول.

الإذلال الوظيفي
العدل .. وشيء من الأخلاق
468

أرسل إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بتقنية مهارتي | ووردبريس

حميع الحقوق محفوظة للكاتبة هاله القحطاني

تطوير منصة اعمالي من مؤسسة تنامي ©