يستفزني كثيرا ذلك الحرص، الذي تبذله قطاعات العمل بشقيها، من أجل ابتكار قيم رنانة، تُنشر على مواقعها الإلكترونية فقط دون تطبيق، ولا تتردد بعض تلك القطاعات في توظيف خبير أو مستشار أجنبي، ليعصف بهم ذهنياً، في اجتماعات منظمة لعدة أسابيع قد تمتد لأشهر، قبل أن يصرخ «وجدتها»، ثم يخرج عليهم بمجموعة من القيم، لا تختلف كثيراً في مسمياتها، مع قيم العمل المتعارف عليها دوليا.
في أغلب مواقع الشركات، التي كانت ضمن نطاق بحثي هذا، وجدت أن «العدل والنزاهة» من أهم القيم الأساسية التي تكررت في موقع كل شركة، فهما قيمتان ترتبطان مع بعضهما البعض. فحين تقوم قوانين العمل على العدل، من الطبيعي أن يحصد صاحب العمل نزاهة الموظف. فمثلا، حين يتسلم الموظف راتبا يصمد لنهاية الشهر ويتناسب مع متطلبات المعيشة، ويتسلم معه بدل مواصلات يتناسب مع الأسعار على أرض الواقع، وتأمينا صحياً شاملاً ، وراتب إجازة يدفع مقدماً، ومصروف جيب للإجازة، ورسوم مدارس عالمية في أي مدرسة يختار، وتذاكر سفر له ولزوجته وأبنائه مرتين في السنة على الأقل، لا يمكن بعد ذلك أن يكون للموظف سبب للتقاعس، بل سيكون شعلة من النشاط والسعادة والنزاهة، لأن عمله بذلك، يكون قد حقق له الأمان وشيئا من الرفاهية. ولكن تلك المميزات الخيالية التي ذكرت.. ليست للعامل السعودي.
بينت دراسة، أجراها البنك الدولي في 2013 بالتعاون مع وزارة الاقتصاد والتخطيط السعودية، بأن (رواتب السعوديين في القطاع الخاص، هي الأرخص في سوق دول الخليج العربي والدول الأوروبية). ولو أجريت دراسة جديدة على القطاعين هذه السنة، لوجدنا نفس النتيجة وربما أسوأ. وتقول الدراسة أيضا إن متوسط الأجر الشهري للسعودي 6400 ريال مقارنة بمتوسط الخليجيين البالغ 15200 ريال، والأوروبيين 23600 ريال، بينما متوسط راتب السعوديات 3500 ريال مقارنة بالخليجيات 8700 ريال، والأوروبيات 15000 ريال. ولأن راتب العاملة السعودية الأرخص ، كانت عملية إحلالهن في السوق أسهل وأوفر، وكأن تلك العاملات جمادات لا تتأثر، ولا يُكترث بمعاناتها أو احتياجاتها، ولماذا تكترث وزارة العمل من الأساس، وأغلب القطاعات التي توظف نساء تطبق قوانين خفية تمنحها الحرية لممارسة التمييز والعنصرية، حيث تتعمد أن يكون راتب الموظفة، أقل من راتب زميلها على نفس الوظيفة والدرجة.
ودون دراسة البنك الدولي، نعيش هجير هذا الإذلال الوظيفي، الذي لا نستطيع مواصلة التغابي أمامه، على حقيقة التجاهل والاستخفاف الجماعي الذي اتفقت عليه عدة جهات مسؤولة عن تنظيم العمل وعلى رأسها وزارة العمل، التي تجزم بأن راتب 3500، للعاملة في المحلات التجارية، صفقة عادلة وإنجاز رهيب، دون الأخذ بالاعتبار أسعار الواقع المعيشي حولنا، المشكلة نفس الأفراد الذين جلسوا وخططوا وخرجوا بهذا الراتب، يعون جيدا بأن أجرة السائق المؤقت الذي يحل محل سائقهم حين يسافر، يتقاضى على الأقل 3000 ريال.
وحين تناقش أي مسؤول في كلا القطاعين، عن قيمة «العدل والنزاهة»، يفلسف لك الأمر ، بأن نظام «الكوتا» واتفاقات العمل الدولية تفرض عليهم عدداً معيناً من الأوربيين والأمريكان. ولكن الكوتا لا تفرض كل هذا الكرم الحاتمي، الذي تبخل به في نفس الوقت على مواطنيك. المؤلم أن صاحب العمل على استعداد أن يمنح أي أمريكي أو كندي ثلاثة أضعاف راتب السعودي، مع أن التجربة أثبتت بأن أغلبهم يأتي بخبرة متواضعة وحين تعمل معهم، تُفاجأ بضحالة خبرتهم، وجهلهم لكثير من الأمور، التي تتطور مع الوقت، بالتدريب على أيدي زملائهم السعوديين. وتصدم حين تكتشف بأن ما شفع لهم في الوظيفة، إجادتهم للغة الإنجليزية، التي مازالت تمثل عُقدة لكثير من أصحاب العمل.
وطالما ينفذ التوطين على استحياء لن يؤتي ثماره، ولن يحدث فرقاً، ليس بسبب الفجوة بين رواتب القطاعين، بل لغياب العدل، ولن تتحقق أهداف وزارة العمل، ولن تكسب احترام وثقة المواطن إلا إذا أعادت ترتيب أولوياتها، ووضعت بناء واستقرار حياة الإنسان أعلى القائمة، وفرضت على قطاعات العمل، منح العامل السعودي في بلده جميع حقوقه من مميزات وبدلات، دون أن تعرضه للإذلال، أو تدفعه إلى المناشدة، بل تحفظ ماء وجهه عن استجداء حقوقه، التي تعد من أقسى أنواع الظلم الذي يسببه الإنسان لأخيه الإنسان.
العدل والنزاهة، قيمتان ترتبطان ببعضهما البعض.. متى ما طُبق العدل.. برزت النزاهة، ومتى ما كثر الظلم والإذلال فُقدت الثقة.. وعم الظلام.
أبدعت الكاتبة في ملامسة الموضوع واخراجه بشكله الحقيقي ??
لا فظ فوك