الترفيه في اللغة العربية يعني «إطراب الخاطر بالتسلية والتنفيس عنه»، ويمكن أن يُعرّف اصطلاحاً كنشاط يتم اختياره طواعية وتتم ممارسته بشكل جماعي أو فردي خلال أوقات الفراغ، أو من أجل تخفيف ضغوط الحياة اليومية، بحيث يعود على المجتمع والفرد بآثار نفسية وصحية واجتماعية.
ولن يتفهّم المرء مسألة الترفيه عن نفسه إلا إن تعلّم فن الاستمتاع بالحياة، الذي لا يمكن أن يتحقق بتوفير أسلوب ترفيهي واحد، بل بتعدد وسائل وطُرق الترفيه وتنوعها، تبعاً لرغبات الأفراد وميولهم الشخصية.
نُدرك أن الترفيه مشروع يافع ما زال يتلمس طريقه ولم يتجاوز السنتين من العمر بعد، ونتفهم أن «هيئة الترفيه» كان عليها أن تقدم شيئاً في وقت زمني قصير، ولكن مع الأسف إلى الآن لم يقدم سوى الحفلات والفعاليات الصاخبة والباهظة التي لا تتناسب مع مداخيل جميع شرائح المجتمع ولا ميولهم، والمتابع لنشاطات الترفيه سيلاحظ أمرين يتكرران دائماً: المبالغة في الأسعار، وتركيز النشاطات على مدينتي الرياض وجدة السنتين الماضيتين.
فلم يفكر المسؤولون في «هيئة الترفيه» مثلاً كيف يستطيع موظف أمن أن يحضر حفلاً لمحمد عبده ودخله الشهري بالكاد يغطي احتياجاته الأساسية في ظل ارتفاع أسعار المعيشة، حتى تذاكر السينما التي تُقدم في جميع أنحاء العالم بأسعار رمزية لا تتعد الـ40 ريالاً لا يزال كثير من المواطنين لا يستطيعون ارتيادها، لتمركزها أيضاً في الرياض وجدة، وإن استطاعوا الذهاب يوماً يقع على عاتق رب الأسرة «عبء» المبلغ الكبير الذي عليه تكبده من أجل الترفيه عن أسرة يتراوح عدد أفرادها بين خمسة وسبعة على الأقل.
وإذا تمعّنا في نوعية وجودة الأنشطة الترفيهية التي تمت خارج مدينتي الرياض وجدة، فسنجدها تقليدية ومتواضعة، ولم ترق إلى الآن لمستوى أن يطلق عليها فعاليات ترفيهية، بل أغلبها كان عشوائياً ويضج بالفوضى ويخدم فئة صغيرة جداً من المجتمع.
النقطة الثانية التي ربما على «هيئة الترفيه» أخذها بعين الاعتبار، توزيع النشاطات وعدم تكثيفها في المدن الكبرى بشكل مستمر، إذ بدأ يرسل هذا «التركيز» رسالة مُضللة مفادها أن «الترفيه نجح في تأدية مهمته» في مدينتين فقط، وهو في الأساس ما زال متعثراً في مناطق عدة ولم يلمسه الكثير في جميع أنحاء المملكة.
ومسألة «التركيز» على الرياض وجدة اتّبعها كثير من المسؤولين والوزراء وليس «هيئة الترفيه» فحسب، حين اختزلوا واجباتهم واهتموا برفع جودتها في الرياض فقط، تاركين بقية المناطق خارج التغطية.
ومن أجل أخذ الترفيه لبعد آخر يوفّر رغبات الجميع من الكبار والصغار والأسرة والفرد، ينبغي أن تعمل «هيئة الترفيه» مع جهات رسمية عدة لتوسيع الخيارات، فما يناسب جاري ليس بالضروري يناسبني، بل من الضروري أن تتاح أسعار تتناسب مع دخل الطبقة المتوسطة وأصحاب الظروف المعيشية الصعبة، الذين منهم من هو في أمس الحاجة للترفيه عن أنفسهم.
وبما أن طرق الترفيه ما زالت محدودة ولم تخرج كثيراً عن السينما والحفلات الغنائية، فهذا يعني أن الصورة المتوقعة لم تكتمل بعد، وإذا رجعنا إلى طبيعة الترفيه في بداية المقالة – كنشاط يختاره الفرد- فمن الطبيعي أن يدخل ضمنه النشاط الرياضي والاجتماعي والفني.
وربما يكون أفضل قرار قد تتخذه «هيئة الترفيه» بالتعاون مع الجهات المختصة، من بلديات وطرق، تطوير مسارات للمشي وللدراجات الهوائية التي تعد أهم وسيلة للترفيه لشريحة كبيرة من الناس، لتعزيز استخدام الطاقة الجسميّة والحركيّة، وربما تحتاج أيضاً أن تتعاون مع «هيئة الثقافة» لإنشاء مكتبات عامة للقراءة، وتقدم قراءة لكتاب كل أسبوع مثلاً في كثير من المجمعات التجارية التي اُتخمت بالمقاهي والمطاعم السريعة، وربما تحتاج أيضاً أن تنشئ مراكز يتعلم فيها الناس بعض الحرف اليدوية، التي تمكن جميع أفراد الأسرة من المشاركة بها، لربما ألهمت البعض وأظهرت مواهب أو طاقات كامنة مثل الرسم والنحت والنسيج، وتوفير دورات مختصة مثلاً في أعمال الإبداع والتصميم والابتكار، إضافة إلى تعليم فن الخطّ العربيّ.
وربما تحتاج أيضاً أن تفتح المجال أمام الأنشطة الاجتماعية التي تمكّن من تقوية العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع، مثل المشاركة في الرحلات الجماعيّة إلى الأماكن السياحيّة الجديدة التي طورت أخيراً، والمشاركة في المهرجانات التفاعُليّة الشعبيّة والإسهام في تنظيمها، وكذلك إقامة المعسكرات الشبابيّة التي تصقل الشخصية ولا تخلو من البحث عن المعرفة والمغامرة، أو بتوفير كل احتياجات ممارسة هوايات التسلّق والعَدْو والطيران الشراعيّ، وغيرها من الهوايات التي من الممكن أن تمارس في الهواء الطلق شتاءً وأخرى مغلقة لموسم الصيف.
الترفيه ليس مضيعة للوقت، بل تغيير إيجابي لنمط حياة الإنسان الروتينية، وجزء ضروري للبناء التربوي والصحة الاجتماعية للإنسان، فالشخص الذي يقضي جل وقته يعمل من دون راحة أو يمارس نشاطاً يسعده، يكون عرضة أكثر للاضطرابات العصبية والضغوط النفسية. لذا، ينبغي أن يُطور الترفيه، كي يمنحنا مساحة ووقتاً كافياً للمتعة والراحة والاسترخاء، لتستعيد النفس نشاطها لإكمال المشوار.
