قضينا جُل أعمارنا في التعليم العام ندرس قيمة الشجرة وأهمية وجودها في المحافظة على التوازن البيئي، وحين كبرنا اختفت ملامحها من حياتنا، لتأخذ مكانها مجسمات هندسية بشعة، تابعنا في دهشة من أمرنا مراحل متتابعة من تقزيمها وقصها واقتلاعها بالكامل، غير مصدقين بأن من تشرف على تلك الممارسات أغلب بلديات المناطق، لتمر السنة وراء السنة وتختفي ملامح الشجرة التي نعرف، بعد أن نُزعت جذورها من حياتنا وبيئتنا لتبقى مجرد ذكرى من زمن طفولة ولى وانتهى، وكلما اشتقنا إليها استدعيناها من رف الذكريات لنستظل تحتها قليلاً ثم نعود نكمل حياتنا، في جمود تلك الكتلة الخرسانية التي باتت تحيطنا في كل مكان.ذكرت وزارة الشؤون البلدية والقروية في مقدمة موقعها، وقبل أن تشرح بالتفصيل معايير وضوابط التشجير داخل المدن، بأنها تبذل مجهودا كبيرا من خلال الأمانات والبلديات في شتى المجالات لخدمة المواطن وتوفير سبل الراحة، التي منها زيادة الرقعة الخضراء عن طريق التشجير وغيره، وحددت مواصفات لأنواع الأشجار التي تلائم البيئة المحلية، ما يعني بأن الوزارة قدّمت توجيهات للبلديات بنوعية الأشجار وأين تزرع، ومع ذلك كان التطبيق متناقضاً. الصادم في الأمر، تناقض الأمثلة التي وضعتها الوزارة لتستدل بها كنماذج مثالية لتقليم وتشذيب الأشجار، فوضعت على سبيل المثال صورة توضح إهمال بعض الأشجار وعدم تقليمها مع حاجتها الشديدة لذلك، وفي الحقيقة كانت الصورة ترمز لأشجار تنمو بشكل طبيعي من دون تشويه، ثم ألحقتها بمثال آخر في صورة تحوي مجموعة أشجار تم تقزيمها وبجوارها أخرى في أشكال هندسية وأسطوانية كنموذج للتقليم الصحيح! وهذا يُفسر سبب المخالفات المتزايدة التي أصبحنا نراها يومياً على الطريق. والسؤال الذي حيرنا: ما السر وراء تشويه الأشجار وتحويلها إلى مجسمات وأشكال هندسية، ومن المهندس العالمي الذي أشار عليهم بأن تقليم الأشجار على شكل مزهرية وأقماع يعد تجميلاً؟
ومع أن موقع الوزارة شرح بوضوح أهمية الجزر الوسطية وكيفية التعامل معها كأحد الوسائل الهامة لتجميل الشوارع، إلا أن صور العديد من المناطق كشفت بأن قطع الأشجار في تلك الجزر أصبح عادة ما حولها لمكب للنفايات، ففي المنطقة الشرقية على سبيل المثال بعد أن عانقت فروع الأشجار السماء في أماكن عدة منها الطريق الحيوي (الخبر – العزيزية – البحرين)، قُطعت الأشجار بكل بساطة في الجزر الوسطية، وتم تقزيم أخرى قبل بداية جسر البحرين، في منظر يؤكد بأن الجهل «عدو» الأشجار، بحجة تطوير مداخل مدينة الخبر والظهران، وبناء أنفاق وكباري، بدلاً من نقلها لمكان مناسب ثم زراعتها بعد انتهاء تلك المشاريع للحفاظ على الموارد الطبيعية من الهدر الجائر.
وفي مسلسل التناقض هذا، بعد أن حددت الوزارة ضوابط الزراعة أمام المنازل، بحيث لا تعوق عبور المشاة، وركزت بشكل مكثف على الحفاظ على معايير السلامة للسائقين والمشاة، لم نلمس أثراً لذلك التركيز في تطوير طرق للمشاة مثلاً على الأرصفة، بل كانت أبسط وسيلة لتطبيق معايير السلامة تدمير البيئة بقطع الأشجار تماماً، حتى الأشجار الصحراوية المعمرة التي كانت تقف شامخة لسنوات أمام بعض المنازل، تم قطعها بحجة إعاقتها لحركة المشاة، وتم قطع أخرى بحجة حجبها للوحات الإعلانية على الطريق.
الأهداف الخلّاقة والبناءة تخضع لقانون واحد، فلا يمكن أن تُظهر البلديات اهتماما بسلامة وحقوق المشاة وهي تعدم الظل وتدمر البيئة في الوقت نفسه. لذا، نرجو أن تشدد الوزارة على جميع مقاوليها بمنع قطع الأشجار ونقلها بدلاً من ذلك إلى مكان آخر، حتى تنتهي التصليحات والإنشاءات، لأن كل ما يحدث من مخالفات يتعارض تماما مع الخطة الحضرية الجديدة التي وضعتها الوزارة على موقعها كأحد أهداف برنامج مستقبل المدن السعودية.
مرة ثانية نرفع نداءً عاجلاً لوزارة الشؤون البلدية والقروية: «أعيدوا إلينا الأشجار».
