ظهر الفساد في أول بداياته جرثومةً صغيرةً جداً في محيط الأسرة، وأول من شعر بوجوده آنذاك أحد الوالدين وربما كلاهما، وبدلاً من تطهير المنزل منه تم تجاهل وجوده تماماً لاعتقاد الوالدين – كالعادة – بأنه شيء صغير لا ينبغي أن يُهوّل أو يُعطى أكثر من حجمه، لتتغذى الجرثومة وتتحول إلى كائن طفيلي، حين تتوافر له البيئة والظروف الملائمة يعْلق بمصدر يمُده بالغذاء، فلم يجد الفساد أفضل من الوالدين كمُضيف ليعيش داخلهما، ويتغذى على مواقف ضعفهما وإهمالهما، تاركاً لهما حرية الإبداع في اختراع وتشكيل صور جديدة منه.
فحين يتكرر بكاء الطفل، على سبيل المثال، وينزعج الأب زاجراً زوجته بأن تسكته تضطر الأم بالاستسلام أمام بكاء طفلها بمنحه ما يريد لإسكاته، وهي تعرف بأنه خطأ، وكلما كبر الطفل يصبح التهاون أكثر، فتسمح له بالتغيب عن المدرسة من دون سبب، وحين يستسهل الغياب يبدأ باستسهال التأخير خارج المنزل، وإذا تمت مواجهته بمشكلة التأخير، يتم تجاهل مشكلة رائحة السجائر التي تنبعث منه، وحين يزداد الأمر عن حدة وتتأكد الأم أن سلوكه في تدهور، تبدأ بوضع أعذار له معتقدة أن هذا جزءاً من حبها الفطري ولا علاقة له بالإفساد.
وحين يسأل عنه والده على سبيل المثال، تمطره بذرائع مختلفة من دون أن تدرك بأنها عقدت اتفاقا طويل الأمد مع الإفساد الأسري الذي سيصعب في ما بعد إيقافه عند حد معين، وبعد أن تنفذ جميع الحيل وينكشف أمر تدهور الابن، يدخل الوالدان في عاصفة من العراك، يلقي فيها الطرفان اللوم على الآخر، وفي أغلب المواقف المشابهة، تكتشف أن الأب كان يشعر بما حدث من تدهور، ولكن اختار تجاهل الأمر تماماً، لأن لديه قناعة نابعة من مراحل الإفساد التي تعرض لها بنفسه أثناء نشأته بين أسرته، والتي كانت تؤكد له بأن التربية ومتابعة شؤون المنزل من واجب الأم وليس من ضمن واجباته.وحين تنتهي مرحلة تقاذف التهم والمسؤولية بين الوالدين تتغير استراتيجية التعامل مع المشكلة، فيلجأ الاثنان لحل يخلصهما من المسؤولية بإلقاء المشكلة في ملعب طرف ثالث وهو «الزواج»، ليمارس الوالدان فسادا بشكل آخر، بإخراج المشكلة التي صنعاها خارج المنزل، لينتقل ولدهم بـ«شروره» ويسكن مع أبرياء تحت هدف تكوين أسرة، وحين يتعامل مع زوجته وأسرته الجديدة بـ«سوء» أخلاقه يهرع والديه أو أحد أفراد أسرته بتبرير جريرته وإجبار زوجته ومن حوله على ضرورة تقبل أخطائه، وتغليف «قلة» تربيته بالقسمة والنصيب، فحين يضرب زوجته مثلاً لا يتم توبيخه بقدر ما يلقون باللوم على زوجته والجزم بأنها استفزته لا محالة.
لذا، تجد أن من أكثر الأمور حساسية وتعقيداً مفهوم ونوعية التواصل بين أفراد الأسرة الواحدة، فأغلب تلك العلاقات تعتمد على تبرير الأخطاء وتمريرها بالمجاملات السقيمة، وإخفاء المشاعر الحقيقية على اعتبار أن ذلك من الأدب وأمر مفروغ الحتمية من أجل الحفاظ على سمعة الأسرة، فمن الممكن أن تعيش أسرة بأكملها سنوات عدة يعاني بعض أفرادها أو أحدهم على الأقل من ضغوط، لأنه يحمل في نفسه ضد فرد آخر مشاعر سلبية، ومع ذلك عليه أن يلتقي به ويبتسم في وجهه ويعانقه في جميع المناسبات الاجتماعية، فلا يهم حجم الضغط النفسي، المهم عدم مصارحة بعضهم البعض، لأن المجاملة والسكوت على الخطأ أصبحت من قمة الأدب، وقول الحقيقة والمصارحة خطأ عظيم ومن المحظورات في دستور بعض الأُسر، فكيف لا نتوقع أن تترعرع جرثومة الفساد وتستجم بين هذه النوعية من الأُسر التي لا يهمها في الحياة سوى الإبقاء على صورتها المثالية داخل ذلك الإطار المجتمعي اللامع، حتى لو لم تكن كذلك في الواقع.
اصطفاف الأسرة بجوار أفرادها المخطئين من أسوأ أنواع الفساد الأخلاقي الذي ظل يتغذى لسنوات على صمتهم وانحيازهم، إلى أن وصل لمراحل صعبة من الكذب والعنف والاختلاس والتزوير والضرب والقتل، ولن يجد أمامه في نهاية الأمر سوى السجن والقصاص
