كانت تختلس النظر من شُرفة المنزل، تنتظر ظهور أحد أبناء الجيران وما إن سمعت صوته حتى وقفت تنظِّف زجاج الشُرفة، لمحها أحد الصبية المارة فأشار إلى البقية، فرفعوا رؤوسهم إلى الأعلى مطلقين صافرات الإعجاب، مما زاد من غرورها، فطمحت لسماع المزيد، أخذ الصبية يتجمعون ينظرون بشكل مباشر على تلك الفتاة وهي تنظف بإخلاص متظاهرة بعدم الاكتراث، مرت لحظات وسمعت أصواتهم تتباعد محذِّرة «أخوها..أخوها»، أدارت رأسها باتجاههم فلمحت قبعته الخضراء تلوح من بعيد، فدخلت سريعاً ودفنت رأسها بين الكتب تحل واجباتها المدرسية، تترقب دخوله في أي لحظة، كانت على يقين بأنه سيضربها لا محالة، فأخذت تُقوي نفسها وتُعدها لتلك اللحظة ……لم تكن علاقة (صفاء) مع أهلها عادية بل كانت مشحونة بأنواع مركَّبة من المشكلات، وربما كان ذلك بسبب نشأتها في أسرة اعتادت تفضيل الذكور لدرجة مبالغ فيها على الإناث، حيث كان يحظى الإخوة الذكور بالتعليم في مدارس خاصة، بينما ظلت هي مع ثلاثة من أخواتها الإناث يناضلن في التعليم العام، وحين التحق جميع الإخوة بالجامعة فشلت هي في اللحاق بهم لانشغالها بنفسها وبحقيقة تأثيرها على الآخرين، كان جمالها عادياً نسبياٌ ولكن اعتبره من حولها ما يميزها عن بقية أخواتها فكثَّفت اهتمامها بمظهرها لتُهمل دراستها وترسُب سنة وتُعيد اُخرى، وحين تواجه توبيخاً كانت تقابله بترديد أنها «خُلقت لتكون ملكة جمال والشهادة والتعليم وسيلة تغطي بها القبيحات قبحهن فقط» .. تقدم مستوى أخواتها التعليمي و تخرجن الواحدة تلو الأخرى وبدأ العرسان بالتقرب، فكانت تتعمد أن تظهر أمام كل من يأتي ليرى إحدى أخواتها، وما إن تميل الكفة لاختيارها حتى تتملَّص بهدوء وسعادة لتثبت لهم أن الجمال يتفوق على العلم، وعلى الرغم من عبارات الإطراء التي كانت تُمطر بها، إلا أنها لا تكتفي بل تصمم على أن تكون محور الاهتمام ومحط الأنظار في أي مناسبة،…. ذلك اليوم دخل أخوها ليقدم لها علقة ساخنة كما توقعت، انتهت بتهديده لها بالزواج، (الحل الفادح) الذي تلجأ إليه كثير من الأسر العربية بصفة عامة، فإذا جنح الابن وصعبت السيطرة على سلوكه حكموا عليه بالزواج، وإذا جنحت الفتاة وخافوا من أن تفضحهم أخرجوها مع أول رجل يطلبها، دون أدنى تفكير في نوعية الحياة التي سيبنيها هؤلاء الفوضويون الذين هم في الأساس بحاجة إلى تقويم وتربية.
تم عقد قرانها بهدوء، فلم تعترض بل شعرت بالارتياح لأنها أخيرا ستغادر ذلك المنزل التي كانت لا تشعر بالانتماء له، فلم يكن بالنسبة لها بيت الزوجية بداية لحياة جديدة على قدر ما كانت تشعر بأنه منحها كامل الحرية لتفعل ما تشاء، فأصبح لديها 4 أطفال في أول أربع سنوات من زواجها، ولولا فضل الله ورحمته لهلك الصغار قبل أن يُكملوا عامهم الأول بسبب إهمالها لهم ساعات طوال تقضيها في راحتها وزينتها خاصة حين يكون لديها مشروع جديد للتأثير على زوجها فتقضي ساعات تتفنن في اختراع مناورات إغرائية، إلى أن تحصل على ما تريد!
لم يكن الأمر يحتاج وقتاً طويلاً من زوجها لاكتشاف أنانيتها وغيرتها المفرطة حتى من أطفالها، فإذا رأته يلاعب أحدهم غضبت وغارت، فأصبحت ترهقهم بالأعمال المنزلية لكي تبعدهم عنه، لتبقى هي محور اهتمامه طوال الوقت، إلى أن ملَّ الرجل وانتهى به الأمر إلى الهروب خارج المنزل، لتقابل ذلك بمزيد من التمادي وصل للتقليل من شأنه ونعته بألفاظ قبيحة أمام أبنائهما، ففي أحد الأيام عاد إلى المنزل وأغلق على نفسه الباب ولم يخرج إلا في الصباح.. مرَّ من أمامها في طريقه للخارج، و ألقى عليها يمين الطلاق دون أن يتوقف، ثم حمل حقيبته وغادر بهدوء، قررت أن تنتقم منه بأسلوبها فبدأت بمحادثات هاتفية بينها وبين أصدقائه، حتى أطاحت بثلاثة منهم، استضافتهم مرات متعددة في مناسبات متفرقه في فناء المنزل متذرعة بطلب بعض الاحتياجات، كبُر بناتها الأربع وهن لا يعرفن سبباً لمعاملتها القاسية، مع أنها كانت في منتهى اللطف مع الإخوة الذكور، فتزوجت الواحدة تلو الأخرى، ولم تحرص أي منهن على العودة لزيارتها، وحين همت الصُغرى بالرحيل سألتها الأم: هل ستعودين؟ فأجابت: «كُنتِ لا تكترثين من أن نراكِ لاعتقادك بأننا كنا صِغاراً ولن نتذكر، ولكن الحقيقة كُنا نفهم ولا نستطيع التعبير، كبرنا ومازلنا نحاول أن ننسى منظر أصدقاء والدي وهم يحملون لك الهدايا و يمطروكِ بالقبلات في فناء المنزل.. «!
تاريخ النشر : 17-07-2013
المصدر : https://www.alsharq.net.sa/2013/07/17/896599