مهما امتد بنا الزمان وتغيرت ظروف الحياة أو بهتت العادات والتقاليد، ستظل «الأسرة» حجر أساس هذه الحياة وأهم شركة في كل المجتمعات حول العالم، إذ تقاس قوة أو ضعف المجتمعات بحجم تماسك وتجانس الأسرة داخلها، فهي أوَّل وعاء تربوي وثقافي يحتضِن الأبناء، والمصدر الرئيس لغرس مفاهيم الولاء والانتماء لدى أفرادها، يتم داخلها تأصيل الشعور بالمسؤولية وربط المصلحة الشخصية للفرد بالجماعة، وفيها يتم التدريب على الانضباط أمام قوانين الأسرة والتزاماتها، فينشأ الفرد على استشعار الرقابة الذاتية وتقدير حجم الفائدة والضرر في جميع سلوكياته، لينضج ويخرج للعالم كفرد صالح، كما يتم تعميق الإحساس بالحب، فمن لديه القدرة على زرع الحب وريّه بشكل مستمر ورعايته داخل الاسرة لينمو بشكل سوي وصحي، سيكون قادراً على إهداء ثمار ذلك الحب لمجتمعه ووطنه حين يُزهر.
وعلى سبيل المثال، ضرب أنموذج «الأسرة» داخل المملكة العربية السعودية أكثر من مثل في انتماء الفرد ومدنيَّته، إذ عكست قوة تماسكها وإحساسها العالي بالمسؤولية حين مرت المملكة بظروف صعبة لم تخلُ من الفتن السياسية والاتهامات والحروب الالكترونية، فوقف أمامها أفراد المجتمع كالسد المنيع، ملتفاً حول قيادته، مستشعراً حجم المسؤولية التي تقع على عاتقه وأهمية دوره في حفظ الأمن والسلام. لذلك، تكمن أهمية المجتمع في صلاح الأسرة دوماً.
وبشكل عام تُعرف الأسر بنوعية السلوك الممارس داخلها، فالأسرة «الاستبدادية» يقوم نظامها على مبدأ سيطرة أحد أطرافها، فيعد السُّلطة الوحيدة في المنزل ولا يوجد للطرف الآخر أو الأبناء أي صلاحيات في اختيار أو تحديد أي أمر من أمور الحياة الشخصية، وكثيراً ما نرى هذا الأنموذج في الأماكن العامة، حين تجد الطرف «المتسلط» هو من يقوم حتى باختيار ما سيتناوله الآخرون، وعادة تستمر حياة الأسرة الاستبدادية بخنوع واستسلام إلى أن يصل الأبناء إلى سن الزواج، فما أن يتم اختيار شركائهم حتى يفروا للخوض في تجارب محكوم عليها بالفشل مسبقاً، لسوء الاختيار وعدم قدرتهم على اتخاذ أي قرار.
أما الأسرة «الديموقراطية» فهي التي تهتم ببناء قيمها على مبدأ المساواة والمشورة بين الزوجين، وتعزيز المصارحة والصدق الذي يتطور في نفوس الشركاء الصغار فيكبرون على قول الحق والوقوف بجانبه، وتحديد الأخطاء والأخطار والعمل على علاجها وتصحيحها ومواجهتها بكل ثقة.
والأسرة «الأفّاقة» تعرف باختلال الذمة، فلا تثبت على رأي واحد، بل تنشئ أفرادها على أن «التلفيق» حل لعلاج الكثير من المشاكل، ولا ضير من استغلاله كل الوقت للتملص من المسؤولية، فيقنعون شركاءهم الصغار بأن تبرير التصرفات الخاطئة والسيئة من باب مساعدة الوالدين، فينشأ الصغار على قناعة «سوء» الصدق، فيطورون الكذب والتدليس وتلفيق التهم ونقل الأخبار الكاذبة ليستمروا في حياة عشوائية تغيب فيها القيم، وتختل فيها جميع عناصر الأخلاق.
أما الأسرة «الممثلة» (الهوليوودية) فهي التي تعيش حياة مثالية تبذل فيها مجهودا جبارا لتحافظ على صورتها التي رسمتها بعناية أمام الناس، فهمها الأول والأخير إرضاء الناس لكي يتحدثوا عنها بفخر واعتزاز، حتى وإن كان جانب من ذلك التمثيل مكشوفا، فيكفي أن يستمتعوا بعبارات المديح وشهقات الانبهار، حتى يتلذذوا بما كانوا يصبون إليه، وتلك النوعية من «الأسر» تصدّر للمجتمع أفرادا لا يهمهم سوى المظاهر.
أما الأسرة «البيولوجية» فعادة لا يربط أفرادها شيء سوى النسب، فتفتقد للمشاعر الحميمية بين أفرادها بسبب غياب أحد الوالدين دائماً، فإذا كانت الأم من ذلك النوع الذي لا يشعر بالمسؤولية وتقضي ساعات النهار والليل في الخارج سيكون وضع الأسرة في منتهى السوء، ولكن غالباً ما يكون ذلك الطرف الغائب الأب الذي ربما يستشعر أهمية دوره البيولوجي في التكاثر فقط، ولا يستشعر أهمية دوره الأبوي والتربوي والاجتماعي الذي يعتمد على إشباع الحاجات النفسيّة والعاطفيّة والروحيّة لكل فرد من أفراد الأسرة.
فإذا غاب الأب عن أهم دور له في الحياة واختلس من وقت أسرته للقيام بأمور ليست بذاك الأهمية، فكيف سيتعلم الأبناء احترام القيم الاجتماعية وهم يرون كيف يسرق الكبار من وقتهم ويحرمونهم من الاستقرار العاطفي والنفسي؟
الشخص الناجح حقاً، سواء أكان رجلا أم امرأة، هو من يجيد التوازن بين حياته العملية والأسرية، فكل أسرة لها احتياجات معينة وأولويات هامة من شأنها أن تلعب دوراً كبيراً في استقرارها أو تفككها، فإن اتكأت على طرف واحد دون الآخر، لن تميل فقط، بل لا نضمن كم من الوقت ستتماسك قبل أن تنهار وتهوى، إذ يعتمد صمودها واستمرارها على مبدأ الشراكة وحجم التعاون بين طرفيها الرئيسين (المؤسسين الأوائل)، فإذا قامت على العدل في العطاء المتبادل واحترام المشاعر بممارسة الصدق والإخلاص، هطلت البركة وغمرت جوانب وأفراد المنزل.
فالمشاركة الفعالة في تربية وإعداد الأجيال القادمة داخل إطار عائلي سليم بتهيئة المُناخ الّذي يُلائم كل مرحلة من مراحل النمو، تسهم في تكوين مجتمع صالح وملتزم، يعرف أهدافه جيداً ويدرك حجم مسؤولياته، فمن لا يعي حجم مسؤولية الأسرة ينبغي ألا يتزوج أبداً.
