تغيرت طريقة التعامل والاحترام في الآونة الأخيرة، وأصبحت تتشكل على أساس المظهر، مهما كان جوهر الإنسان نفيسا ،إلى أن تحول تفكير فئة كبيرة نحو إيجاد حلول مؤقتة، تتيح لهم الظهور، بالشكل الذي يضمن لهم قيمة بين الناس. فانشغلت تلك الفئة، بالبحث عن التميز في كل شيء في حياتها. فمنهم من يسعى لتحقيق تفرده، بكل ما هو غالٍ ونادر. وبذل قصارى جهده للحصول عليه، مهما كانت الظروف.
فهناك من يعني له الكثير، الحصول على ساعة، تحمل شعار ماركة عالمية. وهناك من يصل لقمة أهداف حياته، حين يحصل على لوحة سيارة بأرقام مميزة، حتى لو كلفه الأمر بيع أغلى ما يملك. المهم أن يرى القاصي والداني، اللوحة المميزة، التي تُشعره بأهميته، وعلو مكانته على الأسفلت!
وبعد أن كان التباهي، محصورا في سلوك مجموعة من الأفراد، تطور بين الناس، وأصبح الاستعراض ببذخ الحياة، من طعام وشراب، وسفر، وملابس، واثاث، عادة يومية. حتى ظن البعض، بأنها أحد أساسيات الحياة، ولا تستطيع بعض الأسر العيش دونها. خاصة و أن من حولهم، ينعمون بملذات الثراء، ولا يريدون أن يبدوا أقل منهم!!
ولم يتوقف الأمر عند التباهي بالممتلكات، بل امتد إلى التباهي بمأكل وملبس الأطفال، والعمليات التجميلية، الى أن وصل الخلل للعلاقات الأسرية. فأصبحت وسائل التواصل الآن المنصة الجديدة لإعلانات الطلاق، ونشر الخلافات الأسرية. لينتهي زمن الخصوصية، والأسرار العائلية، ويصبح كل شيء متاحاً للجميع.
ولم يتصد لهذا الخلل، أي جهة رسمية، الى الآن بشكل مناسب وفعّال، للتقويض من سرعة انتشاره. حتى الأصوات التي بثت الوعي، كانت ضعيفة للغاية، وغير مؤثرة بين تلك الأصوات الصاخبة، التي تبرر وتشجع ذلك الخلل النفسي. وبدلا من أن يلعب الإعلام والمختصون الاجتماعيون مثلاً، دورا أقوي لرفع الوعي، وتطويق هذا السلوك، واستبداله بشيء أكثر منفعة. وقف كمشجع تارة، ومحايد تارة أخري، متيحاً لهم حتى المنصات الرسمية، يعرضون خلالها مزايا وفوائد تجربتهم. فيتحدث الفرد منهم بغرور مستهجن، وكأنه صنع معجزة تخدم البشرية. وهو في الواقع شخص عادي، عرض نفسه للجميع، للفت الانتباه.
ومن يسقط في شرك التباهي، لا يدرك عادة، بأن غروره المكبوت، قد يؤذي آخرين فحسب، أو يجرح مشاعرهم، لاحتياجهم لشيء، لا يستطيعون الحصول عليه. بل تعدى ذلك لمرحلة، تسببت في إرباك النظام الاجتماعي. حين تحوّل التركيز العام، على أن الممتلكات الباهظة، وكمياتها الخيالية، التي باتت تظهر على جميع التطبيقات، هي الوسيلة الوحيدة، للوصول لقمة السعادة والشهرة. ليندفع الكبار والصغار، في سباق محموم وجنوني، بحثاً عن وسيلة للصعود، للتمتع بالكسب والشهرة السريعة!
ومن لا يراعي مشاعر الاخرين، في أزمة الوباء هذه، التي فقد فيها الكثير من الناس وظائفهم، لا يستحق الاحترام ولا التقدير. فالوضع العام مع الأزمة، لا يسمح لقلب مؤمن، بأن يستعرض ممتلكاته، بتلك الصورة الفجة. التي لا تتوقف على جرح مشاعر من لا يملكون. بل أسرت أفكار الصغار، ودفنت طموح عشرات المراهقين، حين اختطفت بعضهم من مقاعد الدراسة، الى منصات التواصل، للبحث عن حبل، يرفعهم لزمرة المشاهير والأثرياء.
التفاخر بالممتلكات الشخصية، خلل نفسي وغرور مكبوت، لا يرفع من قيمة أو قدر الانسان، حتى لو أبدى الملايين إعجابهم، فذلك الإعجاب في النهاية، قائم على أساس ما يملك من مميزات مادية، وليس على أساس ما يحدث من تغيير.
ما يرفع من قدر الانسان، هو مستوى شعوره بالمسؤولية تجاه وطنه ومجتمعه، وحجم الفرق، الذي يحدثه من أجل خدمة البشرية.
اليمامة- 25/02/2021