كل شيء يحدث في حياتنا اليومية له علامات، تشير إلى حتمية وقوعه، فلا شيء يحدث من تلقاء نفسه، ولكن لا ندري أحياناً كيف سيحدث، وأي صورة سيتخذ؟
ما حدث وانتهى، كان من الأساس نتيجة إشاراتٍ، تلقَّينا منها أنه سيحدث مسبقاً، بعض تلك الإشارات، جاءت بصمت داخل النفس، تنبِّه إلى خلل ما، قليلون احتاطوا منها، وكثيرون قلَّلوا من أهميتها، وبعضهم الآخر وجدوا في تلك الإشارات جرس إنذار، ظل يرن ويرن، فخافوا، واحترسوا بالعشرات في محيط المجتمع، في وقت أدار مئات من أفراده ظهورهم لها، ثم تظاهروا بالصمم.
ومن المتعارف عليه أن الإنسان يتأثر بالنماذج الثقافية المحيطة به، فإن كانت الثقافة التي حوله، على سبيل المثال، ترسِّخ التعصب والعنصرية، فسيتأثر بتلك الثقافة، ولن يتردد في ممارستها في حياته اليومية، وإذا كانت البيئة التي حوله مملوءة بالقذف والسب والشتم، فسيعتاد على «بذاءة اللسان»، لأنه لا يعرف غير ذلك، إلا إذا وُجِدت حوله في نفس المحيط «نماذج سوية» أكثر، لها القدرة على الدفاع عن فكره، وكيانه باستبسال ضد غزو سلوكيات سلبية، كما تقف كريات الدم البيضاء ضد الأمراض.
كل الجرائم البشعة، التي هزَّت المجتمع الأسبوع الماضي، ظهرت قبل حدوثها عدة علامات، ودُقَّ أكثر من جرس إنذار لوقوعها، فحين أطلق «معلم صبيا» النار على زملائه، كانت هناك علامات تشير إلى أنه غير طبيعي، حيث ظهرت عليه تغيُّرات لافتة في سلوكه قبل أسبوع من وقوع الجريمة، وتلك كانت علامات كافية، شعر بها، وسمعها على الأقل أكثر من فردَين في محيطه، ولكنَّ مَن حوله لم يفعلوا شيئاً، لأنهم «لم يتوقعوا أن يحدث ذلك»، وحين أطلق ذلك الرجل النار على والدته في حي بدر غرب الرياض، كانت هناك إشارات مثل: سوابقه في تعاطي المخدرات، التي تسبَّبت في انفصاله عن زوجته، وقضية العقوق، التي تنازلت فيها والدته، ناهيك عن صوت الجرس العالي، الذي ارتفع حين اعتدى الجاني قبل ثلاثة أيام على والده، وصفعه على وجهه، ثم كسر نوافذ المسجد، وهدَّد الإمام بالقتل، ما يعني أن هناك أكثر من خمسة أفراد في محيطه، شعروا وسمعوا تلك الإنذارات، ومع ذلك لم يفعلوا شيئاً، لأنهم «لم يتوقعوا أن يحدث ذلك».
أما الطفل، الذي نحره والده في أحد المسارحة بجازان، فدماؤه في رقاب كثيرين من حوله، فالأب كانت له سوابق مع تعاطي المخدرات، وسُجن بسبب دعس عمه وقتله، أليس كل ذلك إشارات وعلامات كافية، تنذر بالخطر؟ فحين رفضت القائدة الحقيقية «الوكيلة» تسليم الفتاة بـ «شجاعة» إلى أبيها، كانت تدرك حجم مسؤوليتها، التي أدتها بأمانة حين قدَّمت مصلحة الفتاة، ووضعتها فوق كل الاعتبارات الأسرية، وأنقذتها من براثن رجل مختل، في المقابل فشل في تحقيق ذلك رجالٌ في إدارة مدرسة تحفيظ القرآن حين قدَّموا مكانته بصفته أباً على مصلحة الطفل، وسلَّموه إليه بأيديهم بـ «دم بارد»، وهم يعلمون مدى خطورته، ولكنهم لم يفعلوا شيئاً، لأنهم «لم يتوقعوا أن يحدث ذلك».
وبصفة عامة، الخارجون من السجون «في الجرائم»، يكررون جرائمهم مرة أخرى على الأقل بعد سنتين من خروجهم، ولكن ذلك الأب، الذي نُزعت من قلبه الرحمة، ونحر طفله، كررها بعد سنة على خروجه، ما يوجه الأنظار إلى ضعف البرامج الإصلاحية داخل السجون، التي أصبحت مترهلة وقديمة، ولا تناسب نوعية الجرائم التي ظهرت لنا في هذا الزمن، بل وتحتاج إلى كثير من التطوير لكي تقوم بدورها المهم في تأهيل السجناء، وتعليمهم، وتقديم الرعاية الاجتماعية والنفسية إليهم قبل أن يُسمح لهم بالعودة إلى محيط الأسرة، ثم إن سجناء الجرائم الكبرى، يجب ألا يُطلق سراحهم بسهولة، بل ينبغي أن يخضعوا إلى رقابة إجبارية، تستمر على الأقل سنة أخرى، أو أكثر، حسب نوع الجريمة، على أن يكون للقاضي، أو جهة أمنية ما، الحق في تغيير المدة إذا أثبتت التحريات حوله بأنه أصبح مواطناً شريفاً بعد خروجه من السجن، وهذا ما تحدده نتائج فترة التأهيل، وفترة المراقبة.
ثلاث جرائم بشعة.. لا بل في منتهى البشاعة، ارتكبت في أقل من أسبوع، ودقَّت الجرس بصوت عالٍ لتنذر من خلل كبير، تظاهر أمامه عدد لا يستهان به من أفراد المجتمع بالصمم، حين تم الاكتفاء بتحميل وزر وقوعها على المجرم فقط دون النظر إلى حجم «السلبية المتخاذلة» في محيط الضحايا ما سهَّل للقاتل ارتكاب جريمته بسبب إهمالهم، وصمتهم، وسلبيتهم.
والآن، أصبح لزاماً علينا رفع درجة الوعي بين الناس، والاستشعار بالخطر، والأخذ بالأسباب، لأن الجريمة لا تحدث دون سبب، بل يسبقها جرس إنذار عالٍ، إن بقينا نتظاهر أمامه بالصمم، وأنكرنا سماع صوته، فستُرتكب الجريمة تلو الأخرى، وسيموت الأبرياء، لأن مَنْ هم حولهم لم يفعلوا شيئاً، «لأنهم لم يتوقعوا أن يحدث ذلك»!