للسلك السياسي بروتوكول خاص يُخضِع من يعمل به لشروط محددة، تقنن حديث السياسي أمام الرؤساء والملوك في المناسبات واللقاءات الدولية من ناحية، وأمام وسائل الإعلام من ناحية أخرى، ففي اللقاءات الدولية كل كلمة ينطق بها السياسي تؤخذ عليه مأخذاً جدياً، وفي المؤتمرات الصحافية أي كلمة مرتجلة خارج النص المحدد من شأنها أن تحرج الدولة أو تفسد العلاقات بينها وبين بقية الدول، وفي أحيان تتسبب في حروب ونزاعات وأزمات اقتصادية. لذا، يحرص السياسي المحنك على «عض» لسانه وتركه ينزف داخل فمه ولا يتركه لـ«لذة» الاندفاع بالتعليق على كل أمر يحدث حوله، بل يزن كل كلمة في ميزان المنطق والحكمة قبل أن يضعها في المساحة التي تناسبها وفي الوقت المناسب، ولم يعرف التاريخ السياسي ديبلوماسي متميز ومحنك مثل سعود الفيصل، رحمه الله وطيب ثراه.
والمسؤول الذي يُمثل الحكومة والدولة ينبغي أن يُفرض عليه أيضاً بروتوكول يعلّمه مسؤولية كل كلمة يتفوه بها، وألا يأخذه حماس الأضواء وكاميرات التلفزيون ليطلق المزيد من الوعود الهلامية وهو لم يُنهِ وعوداً وأعمالاً سابقة بعد، بل من كثرة الوعود أصبح المواطن لا يستطيع النسيان أو غفران خذلان المسؤول.
قال الملك سلمان في كلمة بمناسبة إعلان ميزانية 2019: «إن الدولة تحرص على أن تكون جميع الخدمات التي تقدم للمواطن متميزة»، في دلالة واضحة على أن المواطن يستحق خدمات رفيعة المستوى، لأن راحته ورضاه تهم القائد. لذا، كان من الأجدر أن يحرص الوزراء أثناء عملية تعزيز الشفافية بينهم وبين المواطن أن تكون مبنية على واقع ملموس وعدد واضح من الإنجازات مربوطة بـ«رضا» المواطن، وليس مجرد كلام في الهواءووعود على ورق.
للسنة الثانية يطل علينا بعض الوزراء بحماسٍ أعلى من السنة الماضية بعد إعلان الميزانية، ليتحدثوا بالضبابية نفسها التي تحدثوا بها العام الماضي، من دون أن يذكروا كم أُنفق على كل مشروع مثلاً، وكم نسبة الإنجاز، ومتى سيتم الانتهاء منه، لتحقيق الشفافية التي يتحدثون عنها.
وفي السنتين الماضيتين سرتْ حمى لشهادات التميز والجودة بين عدد من الوزارات الأكثر جدلاً من ناحية ضعف مستوى الخدمات، لدرجة تدفعك للاعتقاد بأنها متطلب ينبغي أن تحققه جميع الوزارات، مثل متطلبات الجامعة، حتى لو لم تلمس لتلك الجودة أثراً.
فمثلاً، حصلت وزارة العمل العام الماضي على جائزة التميز في القمة العالمية لمجتمع المعلومات لقطاع العمل في جنيف عن الخدمات الالكترونية، وفي العام نفسه حصلت على جائزة الشرق الأوسط لتميُّز الحكومة والمدن الذكية في المؤتمر الثالث والعشرين للحكومة والمدن الذكية في دول مجلس التعاون. الغريب، وصف الخبر الإنجاز بأنه أحد الإنجازات المهمة التي أتت من حرص وزارة العمل على تفعيل الخدمات الإلكترونية لخدمة المستفيدين، وكأنه حدث ضخم أوقف البطالة وهبط بنسبتها للصفر!
وفي مؤتمر هذا العام، كرّر وزير العمل الإشارة للمبادرات الـ68 التي أُطلقت لتحفيز القطاع الخاص وتشجيعه على التوطين، من دون أن يفسر لنا بلغة نفهمها «سرّ» تزايد عدد الوافدين الغريب، والصدمة التي لا تحتمل التبرير ذلك المقطع الضعيف الذي ظهر فيه وزير العمل وكأنه يستجدي التجار برفع أجور السعوديين، لأن الوزارة لا تملك أن تتخذ قرارا صارما بفرض ذلك أو العمل على تحقيقه بطريقة نظامية، وليس كطلب معروف!
وحصلت وزارة الصحة على المركز الأول في جائزة الملك عبدالعزيز الوطنية للجودة في دورتها الرابعة، إذ يستلزم الفوز بتلك الجائزة استيفاء عدد من المعايير، منها: القيادة الإدارية، والتخطيط الاستراتيجي، والموارد البشرية، والموارد والشراكات وغيرهم، من دون وضع مسألة علاج المريض أعلى لائحة الأولويات، ونحن لا يهمنا من الجودة إلا علاج المريض، فإذا استثمرت وزارة الصحة ميزانية 2018 على الخدمات الصحية فعلاً، بتسهيل الحصول على العلاج لما كان هناك مرضى يستجدون العلاج، ولكن الدعايات كانت أكبر مما كنا نتخيل.
وحصلت وزارة التعليم على جائزة أيضاً في «التميز الرقمي»، وذكر الخبر بأنها تعد من الجوائز الأولى من نوعها في العالم العربي وتنظمها وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات بالمملكة، وتخضع أيضاً هذه الجائزة إلى معايير دقيقة عدة في تقويم المواقع الإلكترونية وفق بنود معينة، وتهدف إلى تشجيع وإثراء المحتوى الرقمي، ونحن في أشد الحاجة لإثراء العقول وتطوير التعليم والمباني، ومع ذلك لم نرَ أن هذا التميز ألغى الكتاب المدرسي أو خلصّنا من الحقيبة المدرسية بتوفير الكتب على ألواح الكترونية!
وإضافة على ذلك، تصريح وزير المالية غير الواضح بأن الميزانية اهتمت بتوفير الخدمات للمواطن بشكل متميز، ولم يحدد بالضبط مقياس التميز الذي يقصد، إن كان بعدد شهادات التميز وجودة الخدمات الالكترونية أم الخدمة الفعلية التي يتلقاها المواطن.
تهويل وتضخيم أعمال الوزارات اليومية أصبحت ثقافة جديدة ترافق الرؤية وتتطور معها، في محاولة لتشتيت الانتباه عن نتائج وعود الوزراء السابقة. لذا، من المهم أن يفكر بعض الوزراء بتبني ثقافة العمل بـ«صمت»، وترك الانجازات تتحدث عن نفسها بـ«صوت مرتفع»، فكل كلمة أو وعد يطلقه الوزير من شأنه أن يضعف موقفه وصدقيته ويفسد علاقته بالمواطن.
فكل الوعود التي أطلقها وزراء الميزانية العام الماضي وهذا العام، ما زالت عالقة في عالم افتراضي متّع خيالنا وملأنا بهجة وحماس، مثل تلك التي كنا نشعر بها على كوكب أكشن ومغامرات في زمن «سبيس تون»!