* صباح أحد أيام فبراير وقف موظف على باب مكتبها، ومد يده ببطاقة شخصية قائلاً: «شخص في الخارج يود مقابلة رئيسة القسم»، وما إن وقعت عينها على محتواها حتى شعرت بسقوط قلبها، ربما كانت الأصعب في حياتها… «يا إلهي – لواء!!».
طلب منها مُديرها المباشر أن تعطي المشروع الجديد جل اهتمامها لأن عام 2000 يشارف على البدء، وإدارة المستشفى التي تعمل بها في حالة استنفار لتحديث واستبدال عديد من الأنظمة الإلكترونية، التي تعتمد عليها عدة أقسام طبية وجراحية في معاملاتها واتصالاتها بشكل يومي، ليس ذلك فقط بل كان العالم بأسره في حالة تأهب لمواجهة خطأ الألفية، ولمن ولد بعد عام 2000، المشكلة باختصار: في الستينيات شهد العالم طفرة تكنولوجية انتشرت فيها الحاسبات الآلية بشكل سريع، ولكن لم تكن بمثل كفاءة الأجهزة الحالية، فحرص المبرمجين على برمجة خانتين لأرقام السنة بدلاً من أربع لتقليل استهلاك الذاكرة، ليظهر عام 1986 على سبيل المثال على الحاسوب بصيغة 86، وفي بداية التسعينيات عاد الخبراء يتساءلون، كيف سيقرأ الحاسوب عام 2000، بالتأكيد خانتين أصفار (00) وتلك قيمة غير منطقية حسابياً بل تشير إلى أن عديداً من المشكلات تنتظرهم.
خارج ساعات العمل كانت ناشطة ومتابعة للشأن السياسي في الأراضي المحتلة منذ الانتفاضة الأولى، تتابع تحركات العدو، كم بيتاً هدم؟ وكم حقلاً سيجرف؟ وكم عدد المستوطنات التي ستبنى؟ وهكذا، إلى أن كبرت المسألة معها حين بدأت تكتب رسائل غاضبة تصف فيها بشاعة المحتل، وترسل صور الضحايا لتنكد على البيت الأبيض كل صباح، وتذيل رسائلها بنسخ لبريد الكونجرس الأمريكي والأمم المتحدة، وفي المساء تشن هجوماً حاداً وتهديدات لبريد الحكومة الإسرائيلية، لتستمر رسائلها الساذجة لسنوات.
في تلك الفترة كانت ترأس قسماً يعمل ثلاث نوبات على مدار الساعة، في صباح أحد أيام فبراير الباردة وقف موظف على باب مكتبها، ومد يده ببطاقة شخصية قائلاً: «شخص في الخارج يود مقابلة رئيسة القسم لأمر عاجل، وليس لديه موعد مسبق، وينتظر إلى أن تُنهي أشغالك»، التقطت البطاقة من يده لتقرأها.. وما إن وقعت عينها على محتواها حتى شعرت بسقوط قلبها إلى فوهة معدتها، وضعت يدها على بطنها كمن طُعن بخنجر، فسألها الموظف هل أنت بخير؟ هزت رأسها بالإيجاب، وما إن انصرف حتى وضعت كفيها على رأسها تثبته على جسدها في لحظة ذعر ربما كانت الأصعب في حياتها لتنهشها أفكارها بسهولة… «يا إلهي – لواء!! هل الأمر كان يستدعي لواء؟ موضوع مثل هذا لا يحتاج سوى ضابط أو جندي»، نظرت للبطاقة مرة ثانية وهي لا تصدق عينها «اللواء محمد.. الـ.. !» وضعت البطاقة على المكتب في محاولة لضبط أنفاسها ودقات قلبها المتسارعة، تفكر كيف ستخرج من هذا المأزق الذي لم يكن في الحسبان.. كيف ستواجه موظفيها حين تخرج أمامهم مكبلة بالأصفاد، كيف تشرح لهم أنها لم ترتكب جريمة بل كانت تفعل أضعف الإيمان وما أملاه عليها ضميرها، كان مهماً بالنسبة لها أن يعرف العالم الغربي ماذا تفعل إسرائيل، انهارت على الكرسي بعد أن شعرت بجيش من النمل يزحف من رأسها إلى أطرافها، لا تدري كم من الوقت مر عليها وهي تصارع وحش الخوف الذي كبر سريعاً داخلها، إلا بعد أن قاطعها موظف آخر يخبرها بأن سيادة اللواء الذي ينتظرها في الخارج يسأل كم من الوقت تحتاج لتقابله، أجابته على الفور «أمهلني دقائق»، ثم طلبت أن يُدخله إلى مكتب في آخر الردهة، وبين نفسها تعي أنه بعيد عن مسمع ونظر موظفيها في حال بدأ بتوبيخها أو تكبيلها لتواجه الأمر بمفردها أهون من أن يراها الجميع؛ إذ يكفي فقط أن تُختصر تلك الكارثة في مشهد خروجها أمامهم، وجلست تدعو الله وتقطع عهداً ووعداً إن نجت من تلك المصيبة أن تعتزل الكتابة في السياسة للأبد وتكرس طاقاتها لخدمة المجتمع، دخل السيد اللواء بوجه جاد وبدأ حديثه معها، فأخذت قلماً لتكتب ملاحظاته التي لن تكون سوى عدة اتهامات قبل أن يعتقلها ويزج بها في السجن، استرسل الرجل في الحديث، والأصوات في رأسها تتعالى فوق صوته؛ فلم تلتقط من كلامه سوى عبارة «على سنة الله ورسوله»، رفعت رأسها وسألته «ماذا تقصد» قال: «أخي الصغير يريد أن يتزوجك.. وأتيت اليوم»، وقبل أن ينهي عبارته تَنفست الصعداء، واعتلى وجهها ابتسامة بلهاء لتنهض وتشكره بحرارة مبتهجة لنجاتها من قفصٍ.. لتدخل آخر!
(إلى لقاءٍ قريب)
أودعكم اليوم لألتقي بكم من جديد بإذن الله بعد شهر رمضان المبارك، أعاده الله علينا وعليكم وعلى الأمة الإسلامية والعربية في أمان وحب وسلام.
تاريخ النشر : 25-06-2014
المصدر : https://www.alsharq.net.sa/2014/06/25/1167733