أكثر ما يؤخّر الدول العربية عن التسابق مع الغرب في صناعة التنمية والحضارة، عندما تجبر عجلة العلم على التوقف، وترك مجموعة صغيرة من أفراد المجتمع تفرض رأيها الخاص ووصايتها على مستقبل وطن بزرع أفكار ومعتقدات تخدم قناعاتهم الشخصية، التي كانت تغلف في السابق بغطاء ديني غير محكم الصنع، حيث كان يتمزق سريعاً في أول معركة يتضارب فيها مع جميع المبادئ والقيم الإنسانية في جميع الأديان، وفي هذا الوقت أصبح من العار استخدام نفس الغطاء المبتذل الذي يهدّد نمو الدول حضارياً. والخوض في مزيد من تلك المعارك العقيمة لا يكفي لتعطيل مصعد العلم السريع عدة سنوات أخرى .. بل وحبس من فيه رهائن لعقد آخر من الزمن تتوقف معه عملية بناء الإنسان المسؤول عن صناعة وتطوير حرف الحياة على مر العصور.
لم أتفاجأ حين قرأت بياناً لمجموعة تُطالب بفصل مناهج البنين عن البنات، بالإضافة إلى فصل الإدارات الخاصة بهم في طلب مباشر لوقف تطور التعليم في المملكة تحت نفس الغطاء، بل سأتفاجأ حقاً إذا تجاوبت المؤسسة التعليمية لتلك الأمور، وبما أن التعليم يحظى الآن برعاية أكبر سلطة في الدولة، فلن نرضى كشركاء في هذا الوطن بما يؤخره عن مواكبة الحضارة، بل سنصمد أمام الزوابع والعواصف إلى أن تمر، في نفس الوقت لن نسمح لأي تيارات فكرية بحرية العبث في عقول صغارنا بعد الآن، لأن مجتمعنا مازال يعالج نتائج تعليم معيب ومخجل أخرج جيلاً كرّس إرث الدونية وتناقلها ضد المرأة أينما ولت مؤمناً بأن (المرأة فاسدة ومفسدة ) كما جاء في منهج الثقافة الإسلامية للصف الثاني الثانوي في مناهج البنين، التي علّمت الفتى المراهق كيف يتطاول على والدته وأخواته، وفيما بعد زوجته وبناته في سلسلة من العنف والاضطهاد التي وضعتها تلك الكتب في عقول مراهقين بين سن 15و 17 سنة ليتحوّل التعليم إلى سلاح مؤذ، فكيف نصلح سنوات من الدمار الشامل الذي تعلمه ولقن به حين كان يافعاً، وماذا نتوقع من جيل درس ونشأ على معتقد بأن المرأة التي أنجبته ((ضعيفة ولو تركت دون الأخذ على يديها لفسدت وأفسدت )) !
مثل ذلك المنهج شجّع أجهزة ومؤسسات حكومية على المساهمة في تحجيم دور النصف الآخر من المجتمع الذي أنجبه ورباه بسبب نص أدخل على العلم ليعكس رأياً شخصياً لتتحوّل فيما بعد وتصبح مشكلة مجتمع بأسرة، لذلك من المهم جداً أن يكون من مميزات أعضاء لجنة تقييم التعليم الحيادية والباع الطويل في العلم والثقافة، دون فرض قناعات شخصية أو احتكار العلم على جنس أو سن معينة، في نفس الوقت أن يكون هذا التقييم مبنياً على أسس علمية وخلفيات ثقافية متعددة فنحن لا نعيش هنا بمفردنا، ولذلك تجد الأمم الإسلامية المتحضرة تحرص على الاهتمام في الدرجة الأولى على تعليم الفتيات وتثقيفهن بكل ما أوتيت الدولة من طاقة لضمان نشأتهن بشكل متوازن وصحي، لأنهم يدركون جيداً حجم المسؤولية التي تنتظر الفتاة في المستقبل، كأم كانت ومازالت على مر العصور المعلم الأول للرجل فمن يحسن من تربية وتعليم الفتاة فهو في الأساس يساهم في تربية رجال مجتمعه وإعدادهم بشكل معتدل للمشاركة في بناء مجتمع صحي خال من التعقيد، ومن يُربي فتاته على العنف والإهانة والضرب وسلب الحقوق الشخصية فلن يخرّج ذلك الألم والحرمان سوى مزيداً من الأفراد المشوهين ليصبحوا عالة إضافية على المجتمع،
وفي سابقة تُعد الأولى في تاريخ التعليم العام في السعودية، تضمنت مناهج اللغة الإنجليزية المطورة نصوصاً تقر أخيراً بالوجود الفعلي للمرأة بيننا في عدة موضوعات من المنهج الخاص بنظام المقررات للبنين للمرحلة الثانوية و كانت تُعد صور الأناث لعقود من الزمن من المحظورات في المناهج منذ انطلاق التعليم في المملكة عام 1346هـ (1926)، وتُعد مناهج اللغة الإنجليزية أول من كسر هذا «التابو» بعد أن تمكنت من إظهار صور رمزية لنساء في دروس مختلفة من النسخة التجريبية، وكأنها جاءت على استحياء تتحسس ردة فعل المجتمع، وعلى الرغم من أن تلك المناهج المطورة لم تعتمد نهائياً ومازالت في طور تجريبي قابل للتعديل بعد نهاية العام الدراسي الحالي، إلا أنها أتت مواكبة نوعاً ما إلى طرح ليس بالجديد بل يتحدث عن طموح الفتيات التعليمي دون أن يخرج عن واقع الحياة، و احتوت الدروس على رسائل تربوية تشجّع على خوض التخصصات والمشاريع العلمية الدقيقة التي أثبتت فيها السيدات جدارتهن، وأصبح من الضروري أن تقدم مناهجنا بصفة عامة نصوصاً تثقيفية مشجعة تضيف للمخزون الفكري للطالب وتثري معلوماته وتشد انتباهه وتؤثر فيه إيجابياً من أجل تكوين شخصية متزنة، وليس بإعادة تكرار بعض النصوص المبتذلة التي لم ترفع بمستوى الطالب بل تحجم من توسع عقله للسيطرة على ما يفكر به، لتضعه في صندوق غير قابل للفتح محكم الإغلاق، يصعب عليه فيما بعد التفكير بشكل منطقي في أبسط الأمور لأنه في الأساس لا يعرف سوى جدران ذلك الصندوق !!
ومن المهم أثناء عملية تقييم التعليم أن يتم تدارك السنوات التي ضاعت بعمل أكثر من خطة لبناء وصناعة الإنسان بشكل طبيعي تلغي أولا: فكرة أن المملكة غنية بالنفط الذي لن ينضب، وثانيا : أن الأغنياء لا ينبغي عليهم أن يعملوا، بل يجب أن يكون أول درس هو( أهمية العمل والعطاء) بتكريس ثقافة خدمة المجتمع وتخصيص ساعات للخدمة الاجتماعية كنشاط يستمر تطبيقه خارج ساعات المدرسة على أن يبدأ من الصف الخامس الابتدائي، ويتدرج حسب الفئة العمرية، وأن يتم تعميم الكشافة كنشاط أساسي ينتهي في المرحلة الثانوية.
إذا لم نعمل على صناعة الإنسان وتأهيله أولاً فلن نبدع في صناعة الحياة في هذا الوطن.
تاريخ النشر : 27-03-2013
المصدر : https://www.alsharq.net.sa/2013/03/27/779295