دخل إلى غرفتهم الصغيرة وألقى بثوب رقص خليجي على الأخت الكبرى التي كانت تدرس في الصف السادس وقتها وقال بنبرة جافة: تعالي المجلس وارقصي لي ولضيوفي.
نظرت إليه بمرارة وقالت: لقد كبرت يا والدي على الرقص لأصدقائك سأذهب إلى الأول المتوسط العام القادم، ولم يعطها فرصة لإكمال حديثها فانهال عليها ضربا وركلا حتى سقطت على الأرض مغشيا عليها، لم يتوقف بل أخذ يدوس على رأسها ويركلها كأنه يشوت ضربة جزاء، فلم يتحمل ذلك الرأس الهش الصغير كل ذلك الضرب والركل ففاض فمها دما، كنت أرتعد من شدة الخوف فلم أشعر بنفسي وأنا أصرخ أختي … أختي … وفي أثناء صرخاتي المذعورة على أختي … التي اعتقدت وقتها أنها ماتت، سحبني من ملابسي بكل قوه حتى رفعني عن الأرض، قلت له شوف يا بابا الدم يخرج من فمها، توقف والتفت نحوي، وقال لو سويتي زي أختك وعارضتيني لأذبحك زيها” مسحت دمعة مخنوقة سقطت من عينها ثم أكملت قائلة:
فأخذت ثوب الرقص ودخلت وقلت له سألبسه الآن، فذهب، فانتهزت الفرصة وسحبت أختي المغمى عليها كالميتة وأخفيتها عنه في غرفة المخزن حتى لا يستدل عليها ويذبحها كما قال، وذهبت إلى المجلس وبدأت أرقص من الخوف والدموع تنهمر من عيوني رقصت ورقصت، ومرة ثانية وثالثة، وحين انتهى العرض الذي كنت أؤديه وأنا طفلة في الصف الخامس لم أدرك بأن كل ذلك لم يرضه ففاجأني بصفعة مازال رنينها يدوي في أذني حتى اليوم، وقال:” تفكريني مش شايفك يا كلبة وأنت تدافعين عن أختك”، وبصق علي بكل قوة حتى غطى بصاقه الكريه وجهي كالقناع، ووقف أمام باب الغرفة التي تركت أختي فيها وأغلق الباب بالمفتاح ووضعه في جيب ثوبه الذهبي الحرير ذي اللمعة السخيفة الذي حالما يرتديه نعلم أن هناك حفلة ومذبحة ستقام في نفس الليلة في بيتنا… وقال: سأتركها تموت هنا من الجوع حتى تتعلم ألا ترفض طلبا لأبيها مرة ثانية!
رجوته الله يخليك يا بابا افتح لها الباب إنها تنزف، ولكنه كان أقسى من كفار قريش انهال علي ضربا لأنني دافعت عنها، ورآني وأنا أحاول أن أخبئها من بطشه، وقال أتعتقدين بأنني لا أدرك ما أفعل لأنني سكران، أنا صحيح سكران ولكن أعرف كل ما يدور حولي، وختم كلماته ببصقة أخرى، ولا أدري من أين يأتي بكل هذا البصاق!
في ذلك الوقت كانت أمي مضرجة بدمائها ولا تقوى على الحراك في المطبخ بعد أن طبخت ونفخت لضيوفه السكارى وحين أبدت رفضها حين بدأ بسحبنا للرقص فجر رأسها بقارورة كانت مليئة بالزيت، وسحبها من شعرها وأخذ يضرب برأسها أرضية المطبخ وسط صراخنا الذي اختلط مع أصوات الأغاني الصاخبة التي كانوا يستمعون إليها في المجلس!
عدت بعدها لتلك المذعورة التي كانت تبكي آلامها وخوفها، ولم أنس يوماً نبرة صوتها حين قالت: أنا عطشانة يا أختي، وكأن ذلك الغول ليس أبانا، فذهبت للمطبخ أبحث عن شيء أسكب فيه الماء لها من تحت فتحة الباب، فوجدت غطاء أخضر بلاستيكياً ما زلت أذكره لقارورة زيت، أخذته وسقيتها الماء من تحت فتحة الباب شربة شربة وهي تبكي وأنا خائفة من أن يأتي ويقبض علي متلبسة بسقيها ماء وهو وأصدقاؤه يتناولون ما لذ وطاب في الجهة الأخرى من المنزل.
كانت السنين تمر ثقيلة، وكل سنة نتمنى موته أو موتنا، ولكن المهم أن يتوقف التعذيب وفي كل مرة ينسى نفسه و يقول، أنا أبوكم ربيتكم وتعبت عليكم لدرجة أنه كان يتقمص كلام الأمهات ويبالغ ليقول وسهرت عليكم في مرضكم و…و…وكله كلام فارغ وشويه شويه يقول أرضعتكم!
ولأنني مازلت أتذكر ذلك اليوم الذي تركني فيه في المستشفى لكي أخوض عملية بمفردي وسط ذهول الأطباء، كان غاضبا حين أخبرته والدتي بأن الزائدة الدودية ملتهبة وتكاد تنفجر، تسببت حكاية مرضي تلك في نزاع بينه وبين والدتي، لذلك كنت دائما وأبدا أخفي مرضي خوفا من بطشه، والآن بعد أن كبر ومرض يريد الجميع أن يبره ويزوره ويخدمه كيف وهو لم يفعل شيئا.
الفتاة الصغيرة كبرت وأصبحت طبيبة وأماً عظيمة ولأن (الله يمهل ولا يهمل) سقط ذلك الأب مريضا، وحين ذهبت لتقدم يد المساعدة كابنة لم تسلم من لسانه وألفاظه النابية التي لا تعرف سنا ولا مكانا ولا مرضا ولا مركزاً، حتى بعد أن بلغ من الكبر عتيا مازال قاسيا، ولكنه اعتقد أن تلك السنين جعلتها تنسى، ودخل في دور “الوالد الشايب”. وهذا الدور لا يليق به، لأنه سرعان ما يعود إلى طبيعته حين ينفرد بأفراد عائلته والصغير لا ينسى وما نقش على الحجر لا تمحوه الأمطار ولا الرياح ولا الأيام كان دائما يحرجها حتى في عملها.
دخلت عليها لكي أواسيها بشكل اعتدنا عليه في حالات الاحتضار، ولكن رأيت وجهها متجهماً فقلت لها، ادعي له بالرحمة يا دكتورة قالت: لقد تأخر ليت هذا اليوم كان قبل 25 سنة وليس الآن، أدعو له لماذا؟ كيف وأنا لم أتعلم منه معنى الرحمة ولم أر منه سوى القسوة، كيف استطاع أن يفعل كل ذلك وينجو في النهاية من فعلته، ويعيش سعيدا ويمرض في النهاية لكي يغفر له الله أخطاءه وزلاته وجرائمه، التفتت ونظرت إلي بكل ثقة وقالت: كنت تلومينني على قلة زياراتي له وتطلبين مني أن أبره لكي يرضى الله عني!!! عرفت الآن لماذا لا أستطيع بره …لأنني لم أتعلم معنى البر، كيف أبره، كيف أحبه وأنا لا أتذكر سوى ضربه وبصقاته التي ملأت وجهي بسبب وبدون سبب، رائحة فمه الكريهة العبقة بالدخان والمسكر مازلت أتذكرها، ضربه المبرح لأختي وأمي وإخواني مازال محفوراً في ذاكرتي، لدرجة اعتقدت فيها بأنه ليس والدنا، ونحن لسنا بناته، كنت أستغرب من صديقاتي حين يعانقن آباءهن دون خوف، كنت أفكر هل هذا العناق والحب حقيقي !!! وهل ذلك الأب سيبصق على صديقتي بعد ذلك أم لا ؟!
والذي يقهرني تمثيله أمام الناس، وفي عمله رجل والرجال قليل… شيء يقهر، كانت تلك أخلاقه طوال الوقت، ولم يكن الشراب هو السبب، كانت نفسه غريبة لا يملك رحمة ولا شيء في قلبه سوى نفسه، ونفسه، ونفسه ثم أصدقائه، وبطنه، وسفراته، ثم عمله الذي كان يؤديه على أكمل وجه والمصيبة الوجه الجميل للخارج والقبيح لنا!
خرجت من منزلي في يوم ماطر ورأيت جارنا أبا صديقتي في المدرسة كيف تغوص رجلاه في مياه المطر الباردة وهو يرفع ابنته لكي لا تبتل رجلها ويحملها في السيارة ويعود لكي يحمل الابنة الأخرى ثم الابن وهكذا .. وقفت مشدوهة وأنا أرى كل ذلك أمامي وفوق ذلك حين رآني أمشي في المطر والصقيع إلى مدرستي توقف وناداني لكي أركب معهم، جلست أبكي بكاء لم أبكه في حياتي من قبل حين أحسست بحنانه وهو يحمل حقيبتي ويجفف حذائي قبل أن يوصلنا إلى المدرسة قائلا: “يابنتي أخاف أن يصيبك برد”
قال يا بنتي ولكن هذا أبو صديقتي يا إلهي كم تمنيت أن يكون هو والدي… الغريب حن علي وقتها وأنا ابنة الثمان سنوات ووالدي ركب سيارته وذهب إلى عمله دون اكتراث!
وبعد أن درست وتعلمت بنفسي وعرفت أن هناك حباً جميلاً بين البنت وأبيها وصرت أسمع أن البنت حبيبة أبيها.. ورأيتك أنت لأول مرة في حياتي تبكين بحرقة حين سقط والدك مريضا قبل وفاته، لم أعرف وقتها كيف أواسي خسارتك ولم أعرف ماذا أفعل سوى النظر إليكما في غرفة العناية المركزة، وكأنني أتعرف على الحياة من جديد، وحين رزقني الله بأطفال شعرت بحب كبير يتفجر داخلي ويقيد الشعور بالانتقام منه، عرفت كم أحب أولادي ورأيت حبي في عيونهم وعناقهم لي حين أعود من عملي، رأيتهم كيف يتعلقون في عنق أبيهم ويقبلونه ويلعبون معه ورأيت حجم محبة ابنتي الوحيدة في قلب أبيها كانت مميزة عنده، فلم يزدني ذلك إلا غضبا منه ومما زرعه داخلي نحوه طوال تلك السنين وما حرمني منه من أحاسيس وأشياء لا أعلمها!.
نهضت من فوق الأريكة، واتجهت نحو الباب حين لاحظت أن هناك دمعة متعلقة بأهدابها تكاد تسقط من شدة الألم الذي كانت تشعر به من سواد الذكريات الذي كان يمر بمخيلتها، وحين انتبهت إلى أنني أوشك على مغادرة المكان لكي أعطيها مجالاً للبكاء الذي لن تفعله أمامي، استوقفتني وقالت: أنا آسفة لا أستطيع أن أجبر نفسي علي شيء لا أريده بعد الآن أصبحت حرة نفسي وليس طفلة مستعبدة لديه كاستعباد الرقيق أيام الجاهلية ” والله شفت عذاب منه ولا كفار قريش مع عبيدهم”، لقد اتخذت قراري، (لن أحضر عزاء والدي).
تركتها ولم ألمها أو أعاتبها بعد ذلك اليوم، وتذكرت قصة الرجل الذي جاء لعمر بن الخطاب رضي الله عنه – جاءه رجل يشكو إليه عقوق ابنه فبعث عمر للابن ولأمه على عقوقه لأبيه, فسأل الابن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين أليس للولد حقوق على أبيه؟ قال: بلى قال وما حق الولد على أبيه؟ قال عمر:1- أن يحسن اختيار أمه. 2- أن يحسن اختيار اسمه. 3- أن يعلمه الذكر وتلاوة القرآن.
وإذا بالولد يقول يا أمير المؤمنين, إن أبي لم يصنع شيئا من هذا، أما أمي فهي زنجية كانت لمجوسي وأما اسمي فقد سماني جعلا ( وهو اسم حشرة من الحشرات)، وثم إنه لم يعلمني حرفا واحدا من كتاب الله عز وجل.
فالتفت أمير المؤمنين لأبيه وقال: لقد جئت تشكو إلي عقوق ابنك وقد عققته قبل أن يعقك وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك!
أتمنى من شيوخنا وفقهائنا الأفاضل أن يتناولوا هذا الموضوع في خطبهم قبل أن يطلبوا من الأبناء أن يبروا بوالديهم، لأن الزمن اختلف والنفوس كذلك، ماذا كان سيفعل يا ترى أمير المؤمنين إذا عرف عن ذلك الأب الذي كان يذبح بناته ضربا حين يرفضون الرقص لأصدقائه !! لا أحد سيصدق ذلك، ولكن من ذلك الزمن إلى هذا الزمن حدث ما هو أسوأ، كم من الصغار قتلوا وذبحوا على أيدي أبويهم. لا لشيء يذكر سوى السلطة التي يشعر بها بعض الآباء والمفهوم الخاطئ عن ملكية الأبناء وغياب حقوق الأطفال والحق في الدفاع عنهم، ومنذ أن نشرت قصة الفتاة التي ألقى بها أبوها أمام أحد المستشفيات وآثار التعذيب تملأ جسدها، تكتمت جميع وسائل الإعلام والجهات المسؤولة عن متابعة القضية بالعربي التكتيم الإعلامي لمصلحة من!
البرامج كلها تتناول موضوع عقوق الأبناء، والمحاضرات تلقى في المدارس لنفس السبب، لا نقول لا، ولكن حين يتغير الوضع وتنقلب الموازين، ونرى كل هؤلاء الأموات الصغار ونظل نتشدق بنفس الكلمة لا، لابد من تغيير المحاضرات لم يركز المدرسون والمدرسات في مناهجهم إلا على بر الوالدين، ولم يتناول المثقفون والكتاب والمحامون خاصة ولا حتى أئمة المساجد، ولا حقوق الإنسان موضوع بر الأبناء بشكل توعوي، كثير من الآباء القساة اليوم لم يفهموا إلى الآن الدرس الذي لقنه لنا ثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب، ولم يسأل الأبناء عن سبب عقوقهم لآبائهم أولا قبل محاكمتهم وظلمهم للمرة الألف بعد السمع من الطرف الذي دائما ترجح كفته لأنه “الوالد” حتى لو كان مثل صاحبنا “أبو البصاق” وأنا أعني هذه الحالات الشاذة وليس الأبناء العاقين لآباء بارين بهم مثل ذلك الجار الطيب يعني من المستحيل أن تعق تلك الفتاة أباها الذي كان يحملها في أيام المطر، الزرع الطيب يثمر ثمارا زكية وأبو البصاق أتمنى أن تحضر ابنته جنازته حتى لوعقها لكي تأخذ هي الأجر فقط!
أتمنى أن تأخذ الجهات المسؤولة بإفادة بعض الأحداث قبل الحكم عليهم بالعقوق ودراستها والبحث عن المتسبب، وما هي الأسباب ومن الذي علمهم العقوق من الأصل وهم براعم.
ولنتعلم من آبائنا الأولين ونفعل كما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قبل أن تصبح هذه الظاهرة الخفية في مجتمعنا مكشوفة وعلنية ولا نعرف كيف نكافحها في المستقبل… وإذا خجل البعض من البوح بالعذاب خوفا اليوم… فلن يخجل في المستقبل إذا كان العذاب أشد مما فعله كفار قريش!
الوطن: 3-11-2006