هاله القحطاني
  • الصفحه الرئيسيه

  • مقالات

  • إصدارات

  • من حافة المجرة

  • مُنع من النشر

  • أقلام صديقة

  • حوار

  • حكاية صورة

الموقع الشخصي للكاتبة هالة القحطاني

  • الصفحه الرئيسيه

  • مقالات

  • إصدارات

  • من حافة المجرة

  • مُنع من النشر

  • أقلام صديقة

  • حوار

  • حكاية صورة

قفص العصافير

الوطن | 0 تعليقات

تلفتُ يميناً وشمالاً بحثاً عن أي موظف أتحدث معه، فلم أجد سوى أعين تبحلق وحواجب ترتفع وتهبط باتجاهي باندهاش وفضول سلبي مُستنكرة وجودي في هذا المكان؛ في تلك الساعة المزدحمة من النهار، لم يحاول أحد من الموظفين الاقتراب مني لسؤالي أو لتقديم المساعدة، بل كانت الأعين تتابعني بصمت واستنكار معهود ومتعارف عليه في تلك الدوائر الحكومية وأماكن الخدمات العامة، وكأنني مخلوق من كوكب آخر آتٍ من مجرة لم تُكتشف بعد . اقتربت من أحد المكاتب التي كان يصطف أمامها عدد من المراجعين وسألت الموظف الذي كان وراء النافذة بصوت مخنوق: من فضلك أريد أن أُقابل المدير. انتقلت إليّ أعين جميع من كان في ذلك الطابور ومن دون مبالغة كانت نظرات الجميع قبيحة كل واحد يحدق بطريقته الخاصة بنظرات طويلة المدى..قصيرة على دفعات، والأسوأ تلك التي كانت تنظر إلي من زاوية حادة جداً لأن صاحبها كان وجهه إلى الأمام والبؤبؤ في أقصى زاوية عينه تحدق بشكل مُؤلم حاد ومخيف. لم يحاول الموظف سؤالي بل قال على الفور: اذهبي إلى قسم السيدات يا «مَرة»! ولوَح بيده اتجاه الباب بحركة لا تنم عن أدب أو احترام، وكأنه يهش قطيعاً خرج عن مساره ليعترض طريقه ! قلت له: لقد عدت لتوي من قسم السيدات، حيث قيل لي إنهن لا يستطعن مساعدتي في هذا الأمر لأن الموضوع يحتاج إلى لمدير أو مسؤول كبير في هذا القسم. قرر أخيراً الاستماع لي فسألني: «إيش عندك» وحرك يده اليمنى مشوحاً بطريقة أخرى؟! قلت: أرجوك أريد أن أقابل المدير, الموضوع متشابك وطويل …شرحته أكثر من مرة وأحتاج إلى تصرف سريع، أشار برأسه لأحد زملائه الذي غاب قليلاً ثم عاد يقول: المدير مشغول الآن ولكن تستطيعين أن تعرضي مشكلتك على مشرف النوبة.. هذا مكتبه… وأشار بيده نحو أحد المكاتب التي كانت مفتوحة أمامه! دخلت إلى المكتب بعد أن ألقيت التحية وسألته هل أنت المشرف؟ قال: «نعم» استبشرت خيراً حين قال تفضلي وأشار إلى الكرسي الذي أمام مكتبه وعلى الفور جلست وقلت له «أرجوك ساعدني»! قال :«خير إن شاء الله» أكملت: «أريد موافقة من عندكم على السفر بمفردي أو مصطحبة أطفالي، وفتحت حقيبة يدي وأخرجت صور أولادي وبطاقة الأحوال الشخصية… وشرحتُ له: هذا ابني الكبير محمد تسعة عشر عاماً يدرس في القاهرة وهذا أحمد اربعة عشر عاماً وهذا عبد الله عشر سنوات ، وهذه صورة ابنتي الوحيدة لينا سبع سنوات،أحتاج أن أسافر إلى ولدي الكبير محمد الذي تعرض إلى حادث سير في القاهرة منذ يومين وحين ذهبت إلى المطار لم يسمحوا لي بالخروج مع أبنائي وطلبوا مني تصريح خروج من ولي الأمر… ولا يُعقل أن يجعل النظام ولدي هذا. ـ وأشرت إلى صورة ابني ذي الأربعة عشر عاماً ـ هو ولي أمري بعد وفاة والدهم رحمة الله عليه.

نظر إليّ المشرف باندهاش كبير وقال لي هل الأخت مواطنة؟ أومأت برأسي ومددت يدي ببطاقة الأحوال الشخصية ، وبطاقة العائلة التي تحمل اسم زوجي الراحل، حيث كان مطبوعاً في مكان الصورة: متوفى! فقال الرجل: كأنك لا تعرفين القانون في هذه الأمور… أين والدك أو أحد إخوانك؟ استطردت: والدي يقيم في مدينة أخرى وهو يُعاني من مرض (الزهايمر)، ولي أخ متوفى وآخر يقيم في الخارج منذ خمسة عشر عاماً، وليس هناك بيننا وبين أعمام الأولاد أية صلة منذ وفاة والدهم، فأنا موظفة: وأخرجت شهادة تعريف عن محل عملي, ووضعتها أمامه على المكتب وأكملت: أُعيل أولادي منذ وفاة والدهم السنة الماضية… وهذا محل سكني وأخرجت صك ملكية المنزل ووضعته أمامه، شعرت بحيرته تجاه المعضلة التي وضعتها أمامه، كان يستمع إلي بهدوء، وحين فرغت من الشرح والتوضيح مستندة إلى جميع الأوراق الثبوتية التي كانت بحوزتي، قال: يا أختي أنا آسف لا يوجد قانون يعطيني الحق في استخراج تصريح سفر لك من دون ولي أمر، جربي المحكمة وأمرك لله، تجمعت الدموع في عيني وشعرت بانكسار وحزن شديدين بعد أن سمعت رده، ولكن تمالكت نفسي وقلت له: أرجوك لا تقل بأنه مستحيل الآن، لا وقت لدي أريد أن أسافر لولدي الذي يرقد الآن في العناية المركزة لليوم الثاني. أنا على استعداد أن أدفع أي مبلغ إذا كانت الإجراءات طويلة ومعقدة لأية جهة حكومية تطالب بأية رسوم، أرجوك.. أتوسل إليك أعطني تصريحاً للسفر وأقسم لك بأنني أحتاجه للسفر إلى ولدي. هز المشرف رأسه وتمتم:( لا حول ولا قوة إلا بالله) وشعر بالضعف الشديد ولم يكن منه سوى أن مد يده بكأس ماء كان أمامه على المكتب وقدمه إلي… دفعت الكأس مكانه ولم أتمالك وقتها نفسي ولم أستطع حبس قهري ودموعي التي انهمرت, وجلست أتذلل له بجميع كلمات الاستعطاف والتوسل الموجودة في قواميس الدنيا… لا أريد ماءً أريد تصريحاً لكي أسافر لولدي الذي يحتاجني الآن… أنا مستعدة أن أذهب للمدير العام.. للوزير.. لأي شخص يكون الموضوع بيده وأُقبلها من أجل أن يعطيني تصريح سفر، أسألك بالله أن تساعدني. رد الرجل «أستغفر الله العظيم» وأخذ يشيح بوجهه عني عاجزاً عن تقديم أية حلول في تلك اللحظة وقال «يا أختي لا أستطيع لا يوجد لدي صلاحيات وليس هناك قانون, أنا آسف… الله يساعدك إن شاء الله» وقفت وغادرت المكان مسرعة بعد أن بللت دموعي الغطاء الذي كان على وجهي وكادت تخنقني، وما أن خرجت من الباب حتى تعالى صوت بكائي ووضعت يدي علي رأسي في نواحٍ متواصل طوال الليل الذي لا أدري كيف انقضى, أدعو الله أن يلطف بابني في غربته وأن يسخر له من عباده من يحن عليه ويعوضه غيابي لليوم الثاني. وفي اليوم الثالث من حادث ابني، ذهبت إلى المحكمة وبعد أن أخذت دوري دخلت إلى كاتب العدل وطلبت منه صك وصاية على نفسي، رفع الرجل رأسه مستنكراً ما طلبت وكأنني قد قلت له « لقد ارتكبت جريمة قتل» فقال بطريقة مهينة للأسف: « ومن الذي سيوكلك على نفسك يا مَرة»؟ زوجك، أم والدك، أم شقيقك أم ولدك من؟ قلت له أنا أرملة وأعدت سرد معاناتي, وبعدما انتهيت طلب مني الكاتب أن أُحضر إثباتاً بالواقعة لكي يتم استخراج الأوراق المناسبة التي تثبت إصابته وعدم قدرة أي من أولياء أمري سواء كان أخي المهاجر منذ عشرين عاماً، وإثبات عدم صلاحية ولاية والدي الُمسن المصاب بمرض الـ الزهايمر، وذلك بإحضار شهود أو تقرير عن ذلك، لكي يتم إعطاء أحد أولادي الصغار حق ولايتي لأنه ذكر والقانون (في بلدي) لا يعطي المرأة أياً كانت ظروفها حق الولاية على نفسها لنفسها ! واسترسل الكاتب: لا يوجد قانون صريح لدينا بما تطلبين ولكنه احتمال يُعطي بحسب الظروف إذا اقتنع القاضي بذلك، لذلك أنصحك بإحضار تعريف من العمدة مع اثنين من الشهود كي يشهدوا أنه ليس لك أحد، قاطعته: ولكن أنا لا أعرف أي عمدة منذ ولدت! قال بعصبية لا بد من شهادة العمدة. وجلس يضع أمامي جميع أنواع العراقيل والتعجيزات غير المنطقية… دارت الأرض من حولي وأخذت أصرخ من جوفي الذي كان يقطر دموعاً وألماً «أريد وصاية على نفسي.. أعطوني تصريحاً للسفر… أريد أن أرى ولدي… ارحموني يا مسلمين» وقف الكاتب ونادى ياااا عسكري أخرج هذه «المرَة» قبل أن نضعها في السجن.

طرقت العديد من الأبواب… ذهبت إلى كل جهة حكومية ممكن أن تخطر على بال أي شخص ولكن لا حياة للمرأة بعد أن يتوفى زوجها… في كل مرة أفكر فيها أن أعبر أحد الطُرق السريعة من دون أن أنظر يميناً أو شمالاً لكي أكسر قيدي وأرتاح، يلوح لي طيف أبنائي الذين لا يملكون في الدنيا غيري!

مات ولدي ودُفن في الأرض التي توفي فيها من دون أن أراه، من دون أن أقبّله أو أُودّعه.. ومات معه كل شيء جميل كان في داخلي.

أخذت مكاني كأرملة… في “قفص العصافير” الذي اعتلاه الصدأ بجوار المطلقة واليتيمة والمظلومة من مجتمعها، والتي لم يُوضع لها أي قانون يُحررها من انتهاكات الظلم والاستعباد في الوقت الذي انتهى فيه زمن العبيد.

أخذت أضرب أنا وهي وتلك، ذلك القفل الحديدي، نحاول كسره وفك جميع السلاسل والعُقد المحكمة حول “قفص العصافير” الذي نحلم أن نحطمه يوماً.. ونخرج منه.. لنحلق بحرية .

 

 

 

الوطن: 8-12-2006

رهائن تحت المطر
خُلِق الإنسان ..عجولاً
468

أرسل إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بتقنية مهارتي | ووردبريس

حميع الحقوق محفوظة للكاتبة هاله القحطاني

تطوير منصة اعمالي من مؤسسة تنامي ©