جلست في المقعد الخالي الذي كان على يساري بعد أن ألقت على التحية بلطف، وما أن رفعت الغطاء عن وجهها حتى أخذت أبحلق فيها، نظرت إلي وابتسمت، فشعرت بالحرج من النظر إليها فقلت لها أمازحها وأنا في الأصل جادة: “اعذريني لم أر فتيات على هذا القدر من الجمال منذ فترة طويلة”، فضحكت لكي يزيد جمالها رقة، ثم سألتني إن كنت أسافر وحدي؟، فقلت لها: “إنني أسافر مع هؤلاء الصبية الأشقياء”، وأشرت إلى أولادي الذين كانوا يجلسون في جهة النافذة كعادة الأطفال، وبدأنا نتجاذب الأحاديث العامة. والحقيقة سعدت بصحبتها حيث كنت أحمل عبء ساعات السفر بمفردي مع ثلاثة من الصغار الذين لا يهمهم في الرحلة سوى الجلوس بجوار النافذة.
وبكل لطف سألتني: “فكرتك عزباء أو عانس كما يقولوا جماعتنا ولم أتصور أن هؤلاء أطفالك”، فابتسمت لكلماتها، ولأن لغة النساء واحدة ومفهومة دون شرح، فهمت ما تقصد، فسألتها بدوري: “وهل أنتِ متزوجة”، قالت: “لا أنا عانس وبكل روح رياضية”، فاندهشت من صراحة تعبيرها ولا أنكر أنه أ عجبني، والذي أعجبني أكثر ثقتها في نفسها وهي تتكلم، تكلمت في جميع المجالات ملمة بمعلومات كثيرة، راقية ومتعلمة ومتعوب عليها، ولأننا معشر النساء ندري بأن ليس الزواج هو أهم شيء للمرأة ٍ في الوقت الراهن كما يعتقد البعض، سألتها: “هل أنت ضد الزواج أم ذلك يدخل في دائرة النصيب”، قالت: “لا هذا ولا ذاك، أنا ضد التضحية بنفسي من أجل أن يقال بأنني متزوجة لكي يرضى المجتمع”، وأكملت: “أتدرين كم عمري؟”، أجبتها بأن شكلها يعطيها 30 إلى 33 سنة، ضحكت مرة ثانية بخجل وقالت: “يا ريت، لقد دخلت الأربعين”، مسكت رأسي متفاجئة ثم قلت: “ما شاء الله، ولكن مستحيل”. لم أصدقها، لأن شكلها أصغر من ذلك بكثير، ولكن أكدت لي بأن هذه هي الحقيقة.
من خلال تجاربي اكتشفت بأن المرأة الشرقية عموما لا تخفي عمرها كثيرا عن بنت جنسها ولكن ممكن ألا تبوح به للرجل، والمرأة الغربية تكذب بشأن عمرها لكلا الجنسين، للأسف ثقافتنا التي تعلمناها من التقاليد أن الفتاة ما أن تتخطى العشرين حتى تصبح عجوزا وتلقب بـ”العانس”، مهما بلغ فيها من جمال أو شباب ونضارة، لن يصدق عدد كبير من الناس وخاصة الجنس الخشن أن التي رأيتها لم تكن فقط جميلة بل في منتهى النضج والعقل والجمال، ولكن عددا من الجنس الناعم سيصدق ويدرك أن ما أعنيه حقيقة، لأن المرأة وحدها تعرف حالها.
قالت: “والدي أدامه الله لنا علمنا وحرص أن نتعلم جيدا ونتزود بمعلومات إضافية من ثقافات أخرى لكي نحسن الاختيار، وإذا وجدت رجلا يضاهي والدي أخلاقا لن أتردد، ومع ذلك لم تتوفق أخواتي حين وضعت أمامنا حرية الاختيار في أكثر من مناسبة ولكن إلى الآن مازلت أحمد ربي كثيرا على وضعي هكذا دون ارتباط، تزوجت أختي الأولى والثانية والثالثة لكن لم يتوفقن في زواجاتهن، الأولى تزوجها رجل يقال إنه متعلم وحاصل على درجة الماجستير من أمريكا، فقد أعصابه يوما وبدأ يسبها ويسب أهلها، تحملت قليلا ولكن حين مد يده وضربها للمرة الثالثة خرجت من بيته ولم تعد مجددا، وأصبح يطاردها لقب مطلقة وهي في الرابعة والعشرين من عمرها، ولكن والدي أبقاه الله لنا وحفظه، مهم عنده كرامتنا في الدرجة الأولى فاحتضنها وشجعها على إكمال تعليمها العالي دون النظر للقب لا يعني له شيئا، ولكن لا يهم، حين يتجرأ الزوج بالضرب أكثر من مرة لا ينبغي للزوجة المحترمة أن تجلس معه ولا دقيقة، جلوسها معناه زيادة في التحقير والإهانة، لذلك تتطور بعض حالات الضرب إلى القتل والتشويه أحيانا، بسبب سكوت المرأة ونقص في القانون.
والأخت الثانية أيضا تزوجت من رجل حاصل على الدكتوراه من إنجلترا، كان قد سبق له الزواج أيام دراسته من إحدى الأجنبيات، كانت زوجته الأولى صديقة الجميع في جامعته، أغدق عليها بالمال واقترب منها في حركة شهامة من إحدى حركات شبابنا في الخارج حين ساعدها في إحدى عمليات الإجهاض التي تعرضت لها حين تخلى عنها صديقها أو أصدقاؤها بالأحرى، لأن الطلبة الأجانب لا يملكون من المال مثل أبنائنا المبتعثين أحيانا، تخيلي أنه تزوجها بعد عملية الإجهاض، وبعد انتهاء دراسته سكنت معه قليلا في البلد، وحين لم تحتمل، أخذت ابنتها يوما لزيارة أهلها ولم تعد بعد ذلك، كل تلك الأمور لم نكتشفها إلا بعد موقفه السيئ مع أختي، كان يمنعها من زيارتنا، هكذا دون سبب، اعتقد والدي في البداية أنها غيرة الرجال الطبيعية ولكن في يوم كانت تتسوق برفقته في أحد المجمعات التجارية فرآهما أحد أبناء عمي فتوقف لإلقاء السلام عليهما، وحين ردت عليه بكلمة: “كيف عمي”، سحبها من يدها وأركبها السيارة بالعنوة وهو يقذفها بأبشع الشتائم التي تدل على الخيانة ثم رمى عليها يمين الطلاق بعد أن أوقف سيارته أمام منزلنا.
فهمنا فيما بعد بأنه معقد لأن الانفتاح الذي كان يعيشه مع زوجته الأولى كلفه ابنته، منذ ولادة الفتاة وهي تعيش بين ظلام الجهل وفرضيات وعادات مجتمع بعيدة كل البعد عن الدين، وحين تقدمنا قليلا زادت الألقاب الموجهة لها فقط، وفوق هذا مطلوب منها أن تتحمل تعقيدات الآخرين وتتفهمها، وتتفهم كل شيء قلة الأدب والضرب والشتائم والعصبية، وتهديدات رمي اليمين، “وحكاية عليا الحرام” و”ترى بوديك بيت أهلك”، وإذا قالت كلمة، قال “ترى الحريم ما في أرخص منهم، وبكره بجيب واحدة عليكي”، تكبر البنت قليلا فيبدأ الجميع “ترى صرتي مَرَة يعني لازم تنظفي وتنفخي وتطبخي وتنتبهي على إخوانك، ما في ألعاب، ما في طفولة، انتهينا، ما يخالف”، دخلت العشرين، “صرتي عانس”، وإذا تزوجت قبل أو بعد ذلك وقدر الله وفشل زواجها لا تروحي، لا تضحكي، ” تراكي مطلقة”، وإذا مر على زواجها سنة دون أطفال، “الحرمة عقيم”، وإذا لا سمح الله توفي زوجها “لا تتحركي من البيت لأنك أرملة لازم تتزوجي بسرعة”، حتى لو ليس بيدها أن تصبح أرملة، يطاردونها، “لا إيش تقول عنك الناس أرملة ساكنة لوحدك، لازم تتزوجي أخو المرحوم علشان العيال ما تضيع” (إيش بيضيعهم ما أدري) وتضطر أن تعيش مع أخو زوجها وهي واحدة من أصعب الزواجات على المرأة في هذا المجتمع، ولكن ليت قومي يعلمون. ويكبر الأولاد ليجدوا نصف عيال عمهم إخوانهم وعمهم أباهم، ويكاد يكون التعرف على الأم صعبا ويعتقدون بأنها خالتهم، ويضيعون بشكل آخر”.
قاطعتنا المضيفة قليلا، ثم بدأت أشعر بأن الجو بدأ ينشحن بين الأولاد الذين انشغلت عنهم قليلا بالأحاديث، بدأ أحدهم بالتذمر لأن أخاه جلس مدة أطول من اللازم بجوار النافذة، حللت الإشكال وعدت مرة ثانية أستمتع بالحوار معها.
قلت لها: “أين وصلنا”، قالت: “عند الألقاب: عانس- مطلقة – عقيم – أرملة، إلى آخره، ضحكنا معاً لأن شر البلية ما يضحك، وقالت: “لا ألقاب تطارد الرجل، بل تكرس المجتمع لخدمته، كل شيء لصالحه، حتى الفتاوى هذه الأيام لمصلحة الرجل وخدموه بالمسيار، الرجل نفسه ومنهم والدي مستاء لما يحدث حاليا، وهناك خالي وأعمامي، كلهم مستاءون لأوضاع كثيرة ولكن، لا حياة لمن تنادي”، فقلت لها بسخرية: “على العموم لم يفتك ذلك الشيء الخطير الذي كان أهلنا يقولونه لنا عن الزواج وأنه (نهاية وسعادة كل بنت)، لقد تغير الوقت، وأصبحنا في زمن طغت فيه الماديات على المشاعر النبيلة والقيم والمبادئ، وهذه الأيام الموضة الزوجة تقوم بكل المسؤوليات، لأن الزوج “البطل” دائما غائب، مشغول، في العمل، مع أصدقائه، في الصيد، في البحر، في البر، مشغول أمام شاشة الكمبيوتر يتابع انهيار الأسهم، ثم يكتئب وينام. يعني بالعربي تعاني السيدة الخليجية عامة من غياب الزوج الدائم، فلا حاجه للمسيار أصلا لأن الحياة الزوجية في هذه الألفية باتت شبيهة بزواج المسيار”، فقالت: “كل فتاة لا تملك أبا مثل والدي أعانها الله، لأن الأهل هم أهم شيء للفتاة”، قالت: “هل زوجك كثير الغياب”، أجبتها: “بأن ظروف عمله تغيبه ساعات طوال عن المنزل، هذا غير استنزافه بعد ساعات العمل وأيام العطل الأسبوعية”، فقالت: “احمدي الله لأنه لا يدخل لبعض المنتديات التي لا يتميز مرتادوها إلا بتدن في مستوى الأخلاق العامة ناهيك عن أسلوب وآداب الحوار، للأسف إذا لم نوجد حلا بديلا لشد انتباه الجيل القادم من الشباب سيظل حبيسا في نفس المجموعات الحالية، مجموعة تخصص مطاردات أرضية وجوية وبلوتوث ومجموعة متخفية بأسماء مستعارة تجوب المنتديات وتعيش معلقة على الإنترنت تطيح بالسهم وتسرق أموال الناس عيني عينك جهارا، ومجموعة قليلة جدا تثابر لتحصيل هدف علمي وهذا العدد لا يكفي للمستقبل أو من أجل غد واعد ومجموعة أخرى أسميها “الخفافيش” تدعي الثقافة والفهم، تخصصها متابعة الكتاب والكاتبات لتكذيب أو التعليق على كل ما ينشر هنا وهناك، وتصنيف الكتاب إلى ليبراليين وعلمانيين وعملاء، وأشياء كثيرة، والحكاية أبسط مما يدور بتلك العقول المحدودة. فكيف بالله عليك أتزوج في هذا الزمن المخيف؟، خليني عانس بكرامتي”.
أضيئت إشارة ربط الأحزمة استعدادا للهبوط. هبطت الطائرة وودعنا بعضنا على وعد أن نلتقي مرة أخرى، ولكن ظل كلامها وقناعتها وثقتها بنفسها مختزنة في رأسي، حقا كيف نقنع الفتيات الآن بالزواج في هذا الزمن الذي غاب فيه الاحترام العام بين الناس في الشارع، فكيف الحال بين الرجل وزوجته في المنزل؟، واحد يضرب زوجته ويطلقها في السوق، والآخر يحبس زوجته في دولاب لكي يعاقبها والآخر يضربها لدرجة الموت وحين تموت يتهمها في شرفها لتخفيف الحكم عليه، جرائم تنذر بنهاية الزمن وأحكام وقضاة يرفعون الضغط، والعدل سجين في مكان ما لا يرى النور. خليها عانس بروحها الرياضية، ولا زوجة وراحت ضحية ساعة عصرية”.
الوطن: 17-11-2006