لم يطرأ في بالي وتحديداً في الركن المسؤول عن الحبكة الروائية في عقلي، أن أجد جزءاً من أفكاري الممزوجة بالخيال تصطدم مع «أكثر من شخص»، تنحصر مهمته الأساسية كل أسبوع في البحث عن نفسه بين حروف كلماتي، والأكثر غرابة أن أجد «الأكثر من شخص هذا»، يُرسل جازماً بأنني كنت أُعنيه في كل حرف ومعنى حتى وإن لم أكتُبهُ بعد، ولأن عملية الدخول في النيات مثل تناول القهوة في الصباح، تدُلكَ دون عناء على إحداثيات أي شخص يخفي «بطحة» على رأسه، خاصة بعد أن تكررت حكاية المريب الذي قال «خذوني»!
يعمد بعض الكُتاب أحياناً إلى المبالغة في التشبيه أو بالوصف لتوصيل وتقريب معنى معين، وحين بالغت وجدت من يعتقد أن الوصف يُصوره بدقة متناهية، لتتحول القصة لكوميديا سوداء أبت أن لا تنتهي، وإذا صدف وأصابت بعض النصوص عددا ليس بالبسيط في مقتل، هذا لا يعني أن يستمر «الأكثر من شخص هذا» في البحث عن نفسه في قلب كل مقال لأن هذه تعد حماقة، تقوده في النهاية بالإشارة على نفسه بالجُرم المكتوب!!
في فترة تعاون مع إحدى الزميلات التي تبنت مبادرة عن الطلاق، كتبت أكثر من مقال يتناول تفاصيل هذه المشكلة الاجتماعية التي لا يعرف عمقها إلا صاحبتها، شرحت فيها الضرر النفسي والمادي الذي تتكبد من طول مدة التقاضي في المحاكم، فكنت أكتب في كل مرة مقالاً مختلفاً يقدم صوراً جديدة عن أبعاد هذه المشكلة، في تلك الفترة وصلتني رسائل عجيبة لا تُنسى بعضها تضمن شكراً للتطرق لتفاصيل تشبه قضاياهم، وأخرى تحمل اتهاما من «أكثر من شخص»، يعتقد بأن زوجته تشهر به، فكتبت لي سيدة نالت خُلعا تشكرني على مقال «متى ينتهي هذا الذُل»، تصرح بأن زوجها السابق الذي علقها أربع سنوات، أخذ أحد مقالاتي، ووضعها أمام القاضي متهماً زوجته بالتشهير به في الصحف من ضمن «سلسلة من القضايا الكيدية التي استمرت سنوات» فمر القاضي بعينيه يقرأها سريعاً وحين انتهي سأل الرجل، «هل تُطلقها أم نخلعك»! هكذا وبكل هدوء، طبعا هي تُرجع ذلك للمقال على حسب وصفها، ولكن المنطق يُرجح أن القاضي اتخذ قراره مُسبقاً نظراً لطول مدة القضية، في نفس الوقت كيف يتوقع أن يقول للقاضي «خذوني» ويتركه!
وكان «للزوج الخائن» بين النصوص التي كتبت حظ يسير، حين استلمت في أحد الأيام رسالة تأنيب ضمير عجيبة، على إثر قصة «نهاية زمن سندريلا» سطر فيها الزوج اعترافا بأنه أساء لأم أولاده حين كان يتنقل من نزوة لأخرى مجاهراً بخيانته بين أصدقائه ورفاقه، وكان متأكداً بأنها تعلم، ولكن اعتادت أن تقابل ذلك بصمت، وفجأة أيقظته كلمات القصة الذي تفاعل معها وآلمته جداً، مع أنها «مُضحكة» وتاب على إثرها على حسب تعبيره، المصيبة بأن هذا التائب، ذيل الرسالة باسمه وعنوانه وأرفقها مع صورته وثلاثة خطوط هاتفية!!
وربما يكون مقال «أرض النفاق» الأكثر تأثيراً من بين مئات المقالات التي كتبت، بسبب حجم ردة الفعل التي أحدثها في مكان آخر!! عرض المقال أكثر من حالة لأنواع متجددة للفساد والغش الإداري، ورُبطت بالإسقاطات الجميلة في الرواية الأصلية التي أبدع فيها يوسف السباعي، ومن قوة فكرة الرواية، تحولت إلى فيلم سينمائي «أبيض وأسود» يحمل نفس العنوان، قام ببطولته فؤاد المهندس، ولا أنكر أن الرواية استهوتني بجميع أبعادها ربما لتشابه قصص الفساد مع اختلاف الأماكن، ولكن يبدو أن «الأكثر من شخص هذا» دخل إلى عقلي وقرأ أفكاري وتوصل في النهاية لحقيقة كل شخصية وردت في القصة بل وتعرف على اسمها وعمرها ولون بشرتها ونسبها لنفسه مع آخرين!
ومن ناحية.. تبقى الصور الجمالية والمعيبة في ذائقة الكاتب حالة خاصة، مثل فن خلط الألوان بريشة أي فنان هو فقط الذي يعرف أين يُخفف الألوان بريشته أو يُغمِقُها، لأن الرسمة الأصلية في عقله ونحن لا نستطيع النفاذ لرأسه لكي نراها، بل هو الذي يُخرجها لنا بإحساسه في النهاية، وعلى الرغم من اختياري ألواناً محددة على رسمة ذلك المقال لأُظهر لونا آخر من ألوان الفساد، إلا أن الجزم على أنها تخص «أكثر من شخص» يثير نفس التساؤل، إذا كان قليل من الظن يُعد اثماً، فكيف بكثير منه! لذا أجد نفسي مُضطرة أن أوضح لكل مُريب بأن ما سُطر هنا وما سيسطر في المستقبل، سيظل دائماً مجرد خيال كاتب، فإذا وجد «أكثر من شخص» تشابها بينه وبين ما كُتب فهو من نسيج خياله الواسع ولا علاقة «للكاتبة» به.. بل مجرد مُريب آخر يقول للعالم.. خذوني!
تاريخ انشر : 11-12-2013
المصدر : https://www.alsharq.net.sa/2013/12/11/1020432