كنت أجلس بمفردي في مطعم الجامعة منهمكة بكتابة بحث خاص وأمامي قدحاً من القهوة … اقترب مني وسألني باللغة الإنكليزية «هل المقعد الذي أمامك فارغ يا أنسة»؟ لم أرفع رأسي بإتجاهه بل اكتفيت بهزة من رأسي بالنفي لأني كنت مندمجة بالكتابة؛ سحب المقعد وجلس يقرأ في كتاب كان بيده وكان بين الحين والآخر يرفع عينيه فوق الكتاب لاختلاس النظر حتى شعرت بحركته … بعد عدة دقائق نظرتُ إلى ساعتي ثم جمعت أوراقي ووضعتها داخل الملف الذي كان مفتوحاً أمامي على الطاولة وحملت حقيبتي وغادرت مُسرعة لألحق بموعد محاضرتي التي كانت على وشك أن تبتدئ.
رآها للمرة الثانية وهي تتناقش بجرأة موضوعية مع البروفيسور في قاعة المحاضرات وتختلف معه على نقطة… شَرَحَتها ووضحتها مُرتكزة بذلك على مراجع وتجارب علمية كانت تعمل عليها منذُ مدة… كان ينصت البروفيسور إليها بإهتمام بالغ حين اكتشف بأنها كانت على صواب ابتسم ذلك اليوم إبتسامة عريضة لم يرها طلابه منذ مدة طويلة، كانت تنظر إليه منتظرة رده هذه المرة بترقب، ولكنه اكتفى بابتسامته العريضة وصفق لها فخوراً بالنتيجة التي توصلت إليها، إثر ذلك دوت القاعة بالتصفيق إعجاباً لمناظرتها الطبية… من ذلك اليوم قرر الاقتراب منها.
كنت أجلس بمفردي يوماً ما حين وصل إلى مسامعي كلمة: السلام عليكم ـ باللغة العربية ـ رفعتُ رأسي ونظرت إلى مصدر الصوت مبتسمة مثل الطفل الذي يميز صوت أمه بين الناس ورددت السلام الذي اشتقت سماعه كثيراً، نظرتُ إليه طويلاً باحثة في وجهه عن أي شبه يذكرني بوالدي أو إخواني الذين افتقدتهم ولم أرهم منذ سنة ولكنه كان يخلو من الشبه، قال: الأخت عربية؟ أجبت: «نعم»! قال عرفتُ ذلك من طريقة حِجابك… فأنت تضعِينُه مثل شقيقاتي .. كانت طريقته بالتعريف عن نفسه لطيفة للغاية، قدم نفسه بطريقة مهذبة جداً وأكمل : أعتقد أنك الطالبة العربية الوحيدة في جامعتنا هذه السنة، قلت: «أو تعرفني من قبل؟» قال بالتأكيد لأنك الطالبة الوحيدة التي ترتدي حجاباً ويستطيع أي شخص أن يُميزك من على بُعد، ابتسمت ثم أكمل قائلاً «كانت هناك خمس طالبات مُحجبات تخرًجن العام الماضي، وجلس يقص عليّ كيف كان يساعدهُن لأنه الطالب الأقدم في هذه الجامعة، وكيف أن الجميع يثق به لذلك لقّبه أصدقاؤه وزملاؤه بـ العُمدة. جلس يسرد بعض المواقف البطولية التي لم يخضها في اعتقادي إلا في خياله، وحين شعر بفتور انتباهي نحو حديثه فتح لي مواضيع أخرى تهم البنات يعرفها جيداً من أخواته واستخدمها معي في محاولة لشد انتباهي مرة ثانية إليه, خوفاً من أن أستأذن كعادتي حين يحاول أي شخص التعرف أو التقرب مني. كان يسيطر علي هدف التخرج مع مرتبة الشرف لكي أرد به جميل والداي وخاصة أبي الذي دفعني وشجعني وساندني لأتخصص في طب الأمراض الوراثية للأطفال في المجتمعات العربية، كان والدي رجلا مثقفاً وشجاعاً يسبق عصره؛ ضرب برفض واحتجاجات أعمامي وأبناء عمومتي والعادات والتقاليد عرض الحائط، ولم يستمع إلى نظرية خطورة إرسال فتاة في مقتبل العمر إلى الخارج للدراسة, لأنه كان من ذلك النوع النادر من الآباء الذين يعشقون بناتهم، ما زال كلام عمي الذي أُصيب بخيبة أمل حين تقدم يخطبني لابنه ترن في أذني «كيف ترسل ابنتك للخارج وهي مجرد «حرمة؟» نهايتها تتزوج وتجلس في البيت تخدم زوجها وأطفالها» !
كان والدي فخوراً بي جداً وكان مؤمناً بأنني خارقة الذكاء , وسأصبح إنسانة عظيمة ذات مهنة مهمة أخدم بها البشرية وأنقذهم من مرض ما، وبخاصة بعد أن حصلت في المرحلة الثانوية على جائزة التفوق العلمي، كنت إنسانة عادية جداً وأعرف بأنه قلما ما يفعل ذلك الآباء في مجتمعنا، لذلك أشعر بالامتنان لوالدي الذي كان دائماً حولي كدرع حماية.. يحميني من هجوم سائر أفراد العائلة والقبيلة وانتقادات المجتمع.
رآها مرة أخرى ولكن تلك المرة كانت صدفة بالنسبة إليها ومُدبرة بالنسبة إليه حيث بات يعرف خط سيرها في الجامعة فأصبح من السهولة أن تدخل إلى المكتبة لتجده منهمكاً بالقراءة في كتاب ما، هزت رأسها بالتحية وأخذت مكاناً بعيداً جلست تقرأ فيه وتدون ملاحظات بعض النقاط كعادتها، بعد مرور الساعة الأولى اقترب منها يسألها إن كانت تحتاج إلى خدمة أو مساعدة؟ حاول بطريقة عملية أن يحصل على لقاء معها خارج الجامعة ولكن انتهت جميع محاولاته بالفشل فقال: هل هكذا تقضين جميع وقتك هنا بالدراسة فقط؟ قالت: أنا هنا من أجل تحقيق هدف وليس لتكوين علاقات أو صداقات خارج الجامعة.
مرت الأيام وكثر تواجده أمامي بالصدفة حتى أصبح جزءاً من حياتي اليومية في الجامعة، ومع الوقت والظروف بدأت تتوطد علاقتي به شيئاً فشيئاً، في أحد المرات تغيب ثلاثة أيام كانت كفيلة بزرع القلق داخل نفسي، بحثتُ عنه بعيني في كل مكان أرتاده كالعادة ولكن لا يوجد له أي أثر، في اليوم الرابع وجدته سارحاً في مقهى الجامعة، توجهت نحوه على الفور أسأله: «هل أنت بخير.. لقد كنا قلقين عليك الأيام الماضية؟» التفت نحوي ونظر إليّ طويلاً ثم قال فجأة في نفس واحد: «كنتُ في صراع مع مشاعري، لا أستطيع منع نفسي من التفكير بكِ طوال الوقت، أشعر بالاختناق في اليوم الذي لا أراكِ فيه، أنا معجب بك للغاية ومشاعري نحوك بدأت تخونني لأنها تريدك في كل لحظة وأنت تهربين مني وتتجاهلين مشاعري».
أحسستُ بتنميل في رأسي من عُمق الكلمات الدافئة التي انهالت نحوي، لم أعتد على سِماعها سوى في أفلام الأبيض والأسود، شعرتُ بالدم يتدفق إلى قلبي الذي بدأ يدق بقوة من وقع كلمات في منتهى الرقة والإحساس لم أستطع أن أستوعب كميتها، حاولت أن أتماسك ولكن دمعت عيناي من شدة الخجل والإحراج، فنهضت من أمامه راكضة إلى حيث لا أدري، كل ما استطعت أن أفهمه في النهاية بأنه يريد الارتباط بي. كانت تلك العبارة هي ما أثلجت صدري تلك اللحظة ولا أدري لماذا ؟
لم يكن لفكرة الارتباط مكان ومجال في جدول الأولويات في حياتي إلا بعد التخرج ، ولكنه كان لحوحاً للغاية ضغط عليّ لدرجة أجبرني فيها على الاتصال بوالدي الذي أخبرته وصارحته بكل شيء، فرح والدي لصراحتي معه ونصحني بأن أُفكّر بالأمر وأراقب تصرّفاته من على بُعد، ووعدني بالسفر إلى بوسطن في إجازة نهاية العام، وبالفعل أتت أسرتي وقضوا شهراً كاملاً برفقتي حيث كانت أجمل فترات غربتي، وتعرفوا على الدكتور «يوسف» الذي التقى بوالدي وتقدم لخطبتي منه رسمياً، كان يزورنا كثيراً ويتودد لإخوتي ووالدتي بشكل ملحوظ، واستطاع أن يكسب إعجابهم بمهارته التي لفتت انتباهي، وأكثر ما عجب والدي إقتناعه بفكرة تأجيل الزواج بعد تخرُجي، ولكن كان هناك شيء داخلي غير مريح ولا أدري ما هو في الأساس!
مرت الأيام سريعة وكانت السنة النهائية ليوسف، حيث كان كثيراً ما يطلب مني أن أساعده في بحوث الامتياز التي ستساعد في تخرجه، كنت أعينه في كل لحظة فراغ لدي عملت كثيراً من أجل المساعدة على نجاحه, بل قضيت ساعات طويلة أشرح له ما قرأت من مراجع وكتب ليُلخِصها هو بكل سهولة، كنت سعيدة وأنا أعمل معه على أطروحته التي استمتعت بالمشاركة بها, والتي جعلتني أشعر بأنها اللبنة الأولى لحياتي المستقبلية معه، كان يردد دائماً إن دخولي إلى حياته هو سبب نجاحه الذي سوف يخدم مستقبلنا معاً .
مرت الأيام سريعة وتخرج يوسف وجاء وقت الوداع التي اختلطت فيه مشاعري بالفرح له والحزن لفُراقه. قال لي: «سأكون بانتظارك في بيتكم حين تعودين». قضيت بعده الأيام في بداية الأمر بشيء من الملل والفتور، ولكن بعد ذلك تذكرت الهدف الثاني الذي ينتظرني، فركزت اهتمامي في التهام المزيد من المواد للانتهاء في أسرع وقت ممكن، شعرتُ بعد رحيله بثلاثة أشهر بشيء من الفراغ , ولثاني مرة منذ ابتعاثي أشعر بألم الغربة بعد أن اعتدت على وجوده معي في الولاية والجامعة نفسهما، مع العلم بأنني قضيت سنتين بمفردي ولم أشعر بالوحدة مثلما شعرت بعد رحيله، كان يحيرني قلة اتصاله بي , ومع ذلك لم أنزعج لأني وضعت له عدة أعذار، مرت ستة أشهر وشيء بداخلي بدأ بالفتور نحوه، لم أكن أحبه كان يعجبني أحياناً وليس كل الوقت، أستغرب حين كان يعبر عن مشاعره لي حيث كنت أشعر دائماً بأنه يبالغ فيها! مر علي سفره سنة ونصف, لم يتصل خلالها سوى أربع مرات.. شيء بداخلي لا يصدق أعذاره التي كان يغزلها لي بحجة أنه لا يريد أن يشغلني عن دراستي، كنت أصدق كلماته حين يقولها، ولكن ما أن أضع السماعة يذهب تأثيره عليّ وأشعر بشيء ما يلح علي أن أكتشفه. في أحد الأيام صارحت والدتي بأنني لا أبادله كمية المشاعر التي كان يعبر بها، فقالت: «اطمئني هذا شعور متوقع وطبيعي, ستحبيه عندما تعيشين معه في بيت واحد».
تخرجت في يوم مشرق أتذكره جيداً وسأظل أتذكره طوال عمري لأنه لم يكن تخرجاً عادياً فحسب، بل بتفوق ومع مرتبة الشرف. كنت أول فتاة عربية تحقق ذلك الإنجاز في تلك السنة، شعرت بالزهو والفخر بثقة والدي الذي بكى كثيراً في حفل تخرجي، وإثر ذلك النجاح المشرًف عرضت علي الجامعة بعثة دراسية داخلية لمدة أربع سنوات إضافية لكي أتخصص كاستشارية، وخيروني أن أحاضر في الجامعة نفسها لمدة سنتين براتب مغرٍ قابل للتفاوض. كان العرض أكثر من أحلامي وتوقعاتي، قلت لمدير الجامعة: «هل تعطيني سنة فرصة لقد اشتقت إلى حضن أمي»، ووافق ولله الحمد وعدت إلى الوطن وانشغلت بأهلي يومين ثم اتصلت به، لم يبدُ صوته سعيداً بعودتي كما كنت أتصور، ولكن لم يزعجني ذلك الموضوع لأن فرحة والدي بي وبنجاحي كانت لا تتصور،. تسلّل الشك إلى داخلي بعد أن اكتشفت أيضاً تجاهله لي بعد وصولي من الخارج، ولكن لم يؤلمني هذا الشعور بل شعرت بالارتياح نوعاً ما ، على الأقل لن أحتاج إلى سماع كلماته ومشاعره المبالغ فيها!
باشرت عملي في أحد المستشفيات الكبرى في العاصمة لأكتسب خبرة عملية قبل أن أباشر عملي ودراستي التخصصية في بوسطن، وفي أحد الأيام وقع نظري على اسم يوسف أمامي على جهاز الحاسوب في نشرة داخلية للمستشفى بأنه سيُحاضر اليوم في قاعة المحاضرات الكبرى، أتيت متأخرة قليلاً فجلست في الصفوف الأخيرة حين بدأت محاضرته، بدا لي في بداية الأمر أن كلمات المحاضرة التي كان يلقيها مألوفة وكأنها مرت علي من قبل، لم تمضِ سوى ثوان تأكدت بعدها بأنها محاضرتي التي سهرتُ أياماً ولياليَ منكبة على كتابتها، لقد استعارها مرة لقراءتها لتقوية معلوماته, ولكن لم أتوقع أن يكون كل ذلك من أجل سرقتها! في هذه اللحظة سقط نظره عليّ فجأة من بين الحضور لأنني وقفت أحدق به حين وجدت اسمه مطبوعاً في نهاية كل شريحة من شرائح المحاضرة, التي كانت تعرض أمام الجميع على شاشة العرض الكبيرة التي هي في الأصل لي، ارتعش صوته وتنحنح قليلاً في محاولة لإخفاء ارتباكه مد يده لكسب شيئ من الوقت ليسيطر على نفسه، وأخذ رشفة من كأس ماء كان أمامه على منصة العرض، رفعت يدي وسألته سؤالاً عن أحد الشرائح المعروضة، ابتسم وأخذ يمسح قطرات العرق التي ندي بها جبينه من شدة إحراجه أمام الأطباء،لأنه لم يستطع الإجابة عنها، بل تدارك نفسه قائلاً سأجيبك عنها في نهاية المحاضرة يا دكتورة لأن الإجابة ستأخذ الوقت الباقي. في نهاية المحاضرة أسرع نحوي مبتسماً وقائلاً: «لم أتخيل أن أجدك هنا لم أتوقع أن تباشري العمل بهذه السرعة». فقاطعته قائلة: لقد فهمت الآن سبب عدم اتصالك. قال: لم أشأ أن أعلقك معي خاصة بعد أن غضب أهلي لخطبتي لك في الخارج، لأن تقاليد عائلتنا لا تسمح لنا سوى بالزواج من بنات العم فقط، بدت تكشيرة صغيرة على جبيني تعمدت إظهارها وأنا أجيبه: «أولم تعلم بتقاليد عائلتكم هذه منذ أربع سنوات؟ أم ذلك من أجل التكنولوجيا الحديثة في تقنية النصب والاحتيال, من أجل تحقيق مصلحتك الشخصية وبناء نجاحك من سرقة مجهود عمل غيرك!؟ تجاهل كلامي وحاول أن يستميل قلبي بسؤال سخيف: هل افتقدِتني كما افتقدتك!؟ ولكنني نظرت إليه بازدراء واحتقار شديدين لأن تأثيره علي هذه المرة لم ينجح ابتسمت قائلة: اطمئن لن أغادر المستشفى قبل أن أرسل البحث الأصلي لرئيس الأطباء وعليه الباقي .
ذهبت إلى البيت بعد أن شعرت بزوال هم كان جاثياً فوق صدري أشعر به ولا أدري ما سببه، استقبلتني والدتي بتساؤلات عديدة كانت تحملها في عينيها, أخذت وجهها بين يدي وقبلت جبينها وقلت لها بسعادة لم أشعر بها من قبل: لن أتزوج ذلك الطبيب يا أمي، سأعود إلى بوسطن.
الوطن:22-12-2006