تطور الكذب في عالمنا اليوم بمساعدة التقنية. وبات أحد المتطلبات المرغوبة في بعض المهن والمناصب. ومهارة ضرورية، تدرس في المدارس السياسية والإعلامية.
تابعنا الفترة الماضية، العواقب المُدمرة، التي نجمت عن لجوء السياسيين، للكذب والخداع بمنتهى الوجاهة. وكيف أقتسم الإعلام جريمة التزوير، بفبركة تلك الأكاذيب وبثها، لتسميم الملايين حول العالم، عوضاً عن تفنيدها ودحرها، لمنع الفتن وحفظ السلام.
وفي بيئة العمل، يعتبر الوصولي أن الكذب مجرد وسيلة لتسهيل الاجراءات، واختصار بعض التعقيدات، التي قد تهدر الكثير من الوقت. مثل كل الأدوات المكتبية المساعدة، التي تعين في العمل! وهؤلاء لديهم قناعة راسخة، بأن الكفاءة في الأداء، تعتمد على البراعة في ممارسة الكذب والتزييف. وتغليف ذلك بمسمى المهارات المرنة ، ومع الوقت تتحوّل تلك المسميات المزيفة، إلى مهارات أولية مرغوبة، ومتطلبات فعلية يبحث عنها كثير من المدراء، في مهارات الموظف، الذي ينوون إسناد مهمة أو منصب هام له.
نتفق بأن أغلب الوظائف، تتطلب من الموظف، التحلي بقدر عال من الدماثة، ولكن هذا لا يعني بأن من عليه ممارسة الكذب في العمل، للحفاظ على مصلحته كما يزعم، يتوقع حين يعود للمنزل، أن يرجع نفس الإنسان الصادق؛ هذا لا يحدث عادة.
من يتخذ الكذب كمنهج حياة، سيستمر في عقد حباله الطويلة حول نفسه. حتى يصل ليوم، يعجز فيه عن التعرف على حقيقته بين أكوام الأكاذيب.
وأكثر الذين يمارسون الكذب، لا يحبون عادة مواجهة الصعوبات، أو الصمود أمامها، فكان من الأسهل عليهم اختلاق أسباب منطقية تدعم أكاذيبهم لإقناع من يشككون في صدقهم، فمن يلجأ للكذب، لا يكون في الغالب متأكدا، من حجم ثقته بنفسه، بل يشعر بعدم الأمان او الخوف، من قول الحقيقة. لذا ارتأى الكذب، لحماية نفسه. وكل تلك الحلول المؤقتة، التي يستخدمها الشخص أثناء الكذب، تمنحه إشباع وهمي لرغباته واحلامه الشخصية، وكل ما يعجز عن تحقيقه بسهولة، فيشتري مثلا شهادة مزيفة، بدلا من أن يدرس للحصول عليها، ويطالب بحق مناداته باللقب. للاستمتاع بنشوة الوهم، التي ستجعله فيما بعد أسيراً لكذبه.
ومثل كل الأشياء التي تبدأ من المنزل، فثقافة الكذب تتكون عند الطفل، إذا نشأ في بيئة يمارس فيها الوالدان الكذب على بعضهم البعض، او على أقاربهم لأسباب قد تكون تافهة، ولكن على قدر كاف، لتقنع الصغير بإن الكذب أسلوب حياة.
المؤسف حقاً، حين تعترض على منهج الكذب، تجد من يحاول فرض قناعة زائفه، بأن الكذب بقدر معقول أمر مقبول، من المفترض التغاضي عنه، وعدم تحميله أكبر من حجمه. ولكن بعض الكذب، أخطر من أن تتغاضى عنه. ليس لهول تفاصيله، او حجم استخفافه بعقول وذكاء الآخرين، بل لمستوى الوقاحة التي قد يصل إليها صاحب الكذبة، لو لمح نظرة شك في عينك، فيسترسل بإصرار مستميت، لتصدقه رغماً عن أنفك، حتى لو أضطر أن يقسم بالله العظيم كذباً.
وفي الحياة الاجتماعية، يبرر المنتفعون من الكذب، بجواز ممارسته، في حالة الحب والحرب. لإخفاء قصورهم من النجاح، في تكوين علاقات إنسانية أساسها المشاعر. وهذا الأمر الذي يهددهم، حين يصلون لمرحلة، عدم التمييز بين حقيقة مشاعرهم من زيفها. فالحب والكذب نقيضان لا يتفقان. بل عادة ما تُمزق قوة وصدق الحب، قناع الكذب، وتعريه في موقف مثير، تجتمع فيه كل الدلائل، مهما طال الزمان.
كل تلك المحاولات، التي تحوم حول الكذب لتجميله، لن تنجح. الكذب سيظل كذبا، وليس” شطارة، ولا مرونة، ولا دبلوماسية، ولا مهارة”.
اليمامة- 14/01/2021