لكل قائد عظيم رجال وبطانة صالحون يلتفون حوله، والرجال حول محمد بن عبدالله خاتم الأنبياء كانوا من نوع آخر، ولأن (نبيّ الأمة) كان رجلا صادقا لا ينافق فلم يكن عنده مال أو منصب، والفترة التي تلت نزول الوحي والقرآن كشفت عن معادن الرجال حوله، رجال فقهوا مبادئ الإسلام فصاروا له جنودا مخلصين أعطوه أروع ما عندهم وأعظم ما تفتحت عليه قرائحهم، وعمر بن الخطاب كان أحد أولئك الجنود الذين صاغهم الإسلام على مبادئه، فكان من أعظم رجالات الإسلام وقاداتها، وتصوير أهم المواقف التاريخية في حياته وجمعها في عمل درامي (مسلسل عمر) جاء تذكيرا بمآثر رجل خدم البشرية حين تولى خلافة المسلمين وتسيير شؤون حياتهم، فسار بهم على طريق الإسلام ولم يحد عنها قيد أنملة، يستشعر مسؤوليته عن كل من في أرجاء دولة الإسلام المترامية، ويحمل على عاتقه مسؤولية تعثر عنزة على شط الفرات والركض وراء (بعير) صدقة فرت من بيت مال المسلمين، ما جعل الإمام علي رضي الله عنه يعبّر عن ذلك بمقولته الشهيرة ( أتعبت الخلفاء من بعدك يا عمر )!!
ومن أكثر المشاهد التي هزتنا تصوير قصة المرأه التي كان أبناؤها يبكون من الجوع وهي تطبخ لهم الماء، حيث لامس مشهد خشية عمر قلوبنا حين عاد للمرأه يحمل كيسا من الطحين على ظهره، وحين حاول رفيقه حمله عنه نهره ممتنعاً وقال: أتحمل عني وزري يوم القيامة ؟؟ وصمم أن يساعد المرأة من شدة تأنيبه لنفسه متضرعاً لله بأن يغفر له تقصيره، أي مسؤول أو خليفة أو أمير مسلم يفعل ذلك !
وفي خطاب مباشر للعقل مشهد آخر يصور كيف رجع عمر عن قرار كان قد اتخذه حين فرض راتبا للطفل إذا فُطم، وذلك حين سمع رضيعا يبكي من الجوع كانت أمه تلهيه كي تفطمه، ليضرب جبهته ويقول “إذن أنا المسؤول” ويأمر المرأة بأن ترضع طفلها، وفي الصباح يعدّل قراره ويعلن المنادي في المدينة: أن أمير المؤمنين يفرض لكل رضيع وفطيم من بيت مال المسلمين، واعتبره واجبا وحقا من حقوق الطفل، وبعد 1400 عام من قرار (عمر) نجد كثيرا من الدول المسلمة التي تدّعي حقوق الإنسان لا تعرف هذا الواجب نحو أطفالها، ومن المشاهد القوية والجديرة بالذكر موقف عمر عندما قال ( أصابت امرأة وأخطا عمر ) أعلنها بكل تواضع وشجاعة أدبية، في رسالة واضحة بأن الرجل في مستوى حكمة أمير المؤمنين يخطئ وليس منزها والمرأه تصيب بالرأي السديد، فلم ينكر عليها أو يهمشها أو يُهينها من شدة الغيرة!
وكان مشهد توبيخ عمر لابنه حين وجد إبله سِماناً يدعو للراحة، وجعلنا نستصغر أنفسنا أمام ما نراه في أرض الواقع الذي نعيشه، فمن يحاسب ابنه الآن ويخشى أن يكون الناس قد حابوه لأنه ابن وزير أو مدير، في نفس الوقت يغزو مخيلتنا مقطع في غاية الفسوق انتشر على الشبكة يصور ابن أحد الحكام المسلمين الذي لم يبلغ العاشرة ينحني له رجال وأفراد حكومة والده لتقبيل يده بطريقة مهينة ومذلة تثير الحنق ! بينما كان رضي الله عنه يرعى الإبل وهو طفل يافع لوالده ولخالاته وكان أبوه يرهقه بذلك، ويجعلك ذلك تتساءل ماذا كان يجيد ابن حاكم دولة مسلمة أخرى حين تبرع بمليوني دولار لحديقة حيوان في أمريكا حين زارها لأن طفل الفيل أعجبه وهناك من يتألم من الفقر والمرض في بلده!!
والموقف المهم الذي يشكر على نقله أصحاب هذا العمل الدرامي حين أنكر عمر على أحد الصحابة كثرة رواية الحديث عن رسول الله، ونصحه بأن لا يكثر كي لا ينصرف الناس عن كلام الله ( القرآن)، وحرك مشهد عمر وهو يبكي على ما أصاب رعيته وقت المجاعة الرحمة في قلوبنا بعد أن أقسم أن لا يأكل لحما أو سمناً حتى يحيا الناس وأجبر الدموع للتسلل لأعيننا من شدة ورعه ورأفته التي لامست قلوبنا بشكل آخر، يجبرك المقطع على الجزم بأنه لو كان بيننا الآن لبكى على بطالتنا وعلى حافز الذي ذل العباد!! ومن العبارات التي أطربت مسامعنا ( اللهم إني أرشدت ولم أكرِه) حين لبى حاجة امر أة نصرانية، وخشي أن يكون قد أكرهها على الإسلام وبهذا العدل أحيا مكارم الأخلاق، وتعد أهم محطة في سيرته حين شرع في تعيين القضاة في البلاد التي تم فتحها، فولَّى أبا الدرداء قضاءَ المدينة، وشريحا الكندي قضاء الكوفة، وعثمان بن أبي العاص قضاء مصر، وأبا موسى الأشعري قضاء البصرة، وأجرى عليهم الرواتب، فجعل للقاضي سليمان بن ربيعة 500 درهم في كل شهر، وجعل لشريح مائة درهم ومؤونته كانت من الحنطة، وكان يحث القضاة على إحقاق الحق، وإقامة العدل بين الناس؛ مما دفع القُضاةَ على تنفيذ أحكام الشريعة الإسلامية بحذافيرها، سن سنناً للقضاء صارت دستوراً، أهمها أن لا يحكم القاضي بعلمه فقط، ولا يقبل هدية، ولا يعمل بالتجارة، فهل يملك قضاؤُنا نفس سُنن الخلفاء!!
وعلى الرغم من الضجة التي سبقت عرض المسلسل، إلا أنه نجح في تحريك القلوب والدموع بتذكيره لفقه السلف وسماحة الشريعة وعدل الإسلام من منبعه الأصلي قبل أن تشوبه شوائب هذا الزمن، ما أجمل عدل عمر وكم تمنينا لو عشنا معه في تلك الحقبة (اللهم اجعل الحكام المسلمين في بقاع الأرض يعدلون عدل عمر، كي يأمنوا ، ويناموا ).
تاريخ انشر : 22-08-2012
المصدر : https://www.alsharq.net.sa/2012/08/22/451409