هاله القحطاني
  • الصفحه الرئيسيه

  • مقالات

  • إصدارات

  • من حافة المجرة

  • مُنع من النشر

  • أقلام صديقة

  • حوار

  • حكاية صورة

الموقع الشخصي للكاتبة هالة القحطاني

  • الصفحه الرئيسيه

  • مقالات

  • إصدارات

  • من حافة المجرة

  • مُنع من النشر

  • أقلام صديقة

  • حوار

  • حكاية صورة

البِناء المغشُوش

الشرق | 0 تعليقات

كان عليّ أن أصطحب صديقة قديمة من محل عملها في نهاية وقت العمل، لزيارة أخرى ترقد في المستشفى، فطلبت مني أن أنتظرها ريثما تنتهي من آخر عميلة، وبينما كنت أنتظر وقعت عيني على سيدة في الستينات تقريباً تقدمت لتأخذ دورها، بدا شكلها مألوفاً وكأنني رأيتها من قبل، شد انتباهي طريقة تأنقها المبالغ به بشكل لا يتناسب مع سنها، وحين بدأت تتحدث شعرت بالانزعاج من صوتها الحاد وطريقتها المتعجرفة في إلقاء الأوامر؛ حيث كانت تقف (ليلى) تساعدها بوجه صُبِغ بالانكسار فجأة، فبينما كانت تتعامل معها بأدب واحترام «تفضلي يا سيدتي، وحاضر يا سيدتي»، كانت الأخرى ترد عليها بالمقابل بنبرة متذمرة مستخدمة ألفاظاً غير لائقة «ما هذا الغباء، أنتِ لا تفهمين، ما هذا التخلف..» وهكذا تستعجلها بين كل توقيع وآخر، وتبحث عن أي خطأ، متعمدة إحراجها، كان جلياً أنها تبحث عن أي شيء لتكيل لها الإهانة بأي وسيلة، ولكن قابلت ليلى كل ذلك بوجه جامد دون أن تقوم بأي ردة فعل، ولا أدري لماذا كدت أجزم وقتها بأنني سمعت ذلك الصوت من قبل، جلست المرأة على أريكة مجاورة تطوي أوراقها في حقيبة يدها، فانطلقت باتجاه ليلى التي كانت تحاول السيطرة على دموعها المنهمرة، وما إن أمسكت بيدها حتى انهارت في بُكاء حار ودفنت رأسها في صدري، ليمزقني صوت بكائها المرير الذي جعلني أشعر بالغضب، فأخذت أفكر داخل نفسي كيف ألقن تلك المرأة درساً في معنى احترام الآخرين، ولكن ما إن رفعت رأسي حتى رأيتها تقترب نحونا بنظراتٍ من جليد، تبتسم بطريقة استفزازية وكأنها حققت انتصاراً كبيراً، في تلك اللحظة تذكرتها وتذكرت عينيها وابتسامتها… إنها والدة ليلى!!
لم تشعر ليلى بأي إحساس طبيعي تجاه والديها منذ الصغر، ولم تتولد بينهما أي علاقة أبوية أو رابط عاطفي، كل فرد كان مشغولاً بنفسه وحياته ولم يفسح مجالاً لأبنائه بين أولوياته، ففي الوقت الذي كنا نتمزق فيه ونحن صغار من الاشتياق لآبائنا حين يذهبون للعمل، كانت تجلس مع أخواتها بالأشهر لا تراهما إلى أن اعتادت على غيابهما، وحين حاولت الاقتراب من والدتها وعبرت لها عن اشتياقها واحتياجها لها في المرات القليلة التي كانت تبقى في البيت، كانت تجيبها: بأن عليها أن تشكر الله؛ لأنها تُعد أفضل من الأمهات اللاتي اعتدن ضرب أبنائهن، إذ يكفي أنها توفر جميع احتياجاتهن، ولكن يبدو أنها تجاهلت الاحتياج النفسي ولم تفكر به حين ألغت حقيقة وجودها من قلوبهن وحرّمت عليهن مناداتها (بأمي) لكي لا تبدو كبيرة أمام الناس واختارت فقط أن تكون أماً لأخيهن الأصغر، وشددت على معاقبتهن بالحرمان والحبس إن زلت إحداهن ونادتها بكلمة (ماما)، كانت ترى نفسها جميلة ليس لدرجة الغرور فقط بل والخوف من الحسد! لتعتاد الفتيات على اليُتم مبكرا، ومن الأمور المخجلة التي لم يفهمنها في صغرهن الغيرة الشديدة التي كانت كثيرا ما تنفجر عن عصبية غير مبررة من قبل الأم التي كان يصعُب عليها التحكم بمشاعرها حين بدأت تُشرق ملامح بناتها بالجمال، فعمدت على سلب ملابسهن إذا بدا على إحداهن جميلاً، ومع أن الفتيات كن يتخلين لها عن أي شيء يعجبها أو محتمل في إثارة غيرتها، إلا أنها كانت تحرص على أن تبدو جميلة طوال الوقت وبأي وسيلة حتي لو كان الثمن الاستيلاء على أغراضهن الشخصية التي كانت كثيرا ما تُظهرها بشكل مضحك، لذلك كانت تحرص ليلى مع أخواتها على إخفاء ذلك الواقع -الذي أدركنه فيما بعد- قدر المستطاع، لكي لا يتعرضن للحرج وسط مجتمع لا يرحم.
إلى كل من يُقبل على حياة جديدة، إذا كان الزواج بالنسبة لك تقليداً اجتماعياً أو «بريستيجاً» الأفضل أن لا تتزوج، وحين تتخذ قرار تكوين أسرة عليك أن تتفهم جيدا أن هذا القرار لن ينجح مع الأنانية؛ لأنه يأتي بمرحلة جديدة في منتهى الجدية، تُبنى على أساسها حياة واستقرار آخرين تعتمد حياتهم على إخلاصك في التربية، وتأكد أن ابنك يراقب أفعالك وكل كلمة تتفوه بها، سواء كنت في مزاج عكر أو صافٍ، ربما لا يُعبر عما يراقبه الآن، ولكن حتماً سيُعبر عن مخزونه حين يكبُر، فلا تقسو عليه لسببٍ خاص بك لا يستطيع إدراكه أو فهمه، ولا تعتمد بأنه سينسى تلك القسوة لأنه صغير مثلاً ولن يتذكر، ولا تستصغر حجم مشاعره أو تتجاهلها؛ لأنه يبني لك داخل نفسه أثناء ذلك بنياناً كبيراً لا تُدرك حجمه، فاجعل أساس تربيتك قوياً وفي منتهى الإخلاص؛ لأنه في اللحظة التي ستهوى وتسقط فيها داخل نفسه، ستكون دليلاً كافياً على أن بِناءكَ من الأساس كان مغشوشاً!

تاريخ النشر : 08-01-2014

المصدر : https://www.alsharq.net.sa/2014/01/08/1043788

الفيصل.. و المهمة الصعبة
كلام في الحب
468

أرسل إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بتقنية مهارتي | ووردبريس

حميع الحقوق محفوظة للكاتبة هاله القحطاني

تطوير منصة اعمالي من مؤسسة تنامي ©