كان يوماً طويلاً حاراً وملبداً بالرطوبة، من أيام الصيف الصعبة التي تتمنى فيها أن يهبط المساء قبل أن تحل الظهيرة لتطفئ وهج الحر، وتخفف من تعابير الوجوه الغاضبة والمتوجعة التي كانت تذرع ممرات المستشفى بتأفف وتأوه من شدة الألم وطول الانتظار.
سحب بعض الآباء نشرات توعوية كانت معلقة على حامل معدني على الجدار، وأخذوا يهفّون بها على وجوههم ووجوه الصغار ليخففوا من وطأة الحر وضجر الانتظار، كان المكان حول قسم الأشعة مكتظاً بالمراجعين، ومقاعد الانتظار ممتلئة بالكامل، تحتل فيها المقاعد المخصصة للنساء جانبين على شكل رقم ستة، والمخصصة للرجال تأخذ شكل اثنين في الجهة المقابلة وتمتد لنهاية الرواق الضيق.
كان الجو مشحوناً للغاية، يلفّه الضيق وصمت تام، يتخلّله بين الحين والآخر بكاء مكتوم لأحد الأطفال، حتى وصل رجل عريض يحمل عكازاً مخترقاً ذلك الصمت بعد أن توقف أمام رجل آخر بدا أصغر سناً منه كان يجلس على أحد مقاعد الانتظار منهمكاً في تصفح هاتفه الخلوي، وبضحكة مُجلجلة قال أبوعكاز: «مو معقول.. ما هذه الصدفة.. سلامات يا رجل»، فرفع الآخر رأسه بدهشة ثم تعانق الرجلان بحرارة، توحي بأن بينهما صلة قرابة بعد أن دار بينهما حديث مسموع.
أخذت رؤوس المنتظرين تقاوم رغبة النظر نحو الرجلين اللذين ارتفعت أصواتهما درجة كافية لشد انتباه من يجلس آخر الرواق، كان جلياً أنهما لا يكترثان لمراعاة آداب الأماكن العامة، سأله صاحب العكاز الذي كان يبدو في بداية الستين من عمره «عسى ما شر؟»، فرد عليه الآخر بأنه ينتظر زوجته التي دخلت للتو لعمل أشعة، وأخذ يتذمر بأن هذا حاله معها كل أسبوع، تشكو من أوجاع مختلفة فيترك عمله مرة أو مرتين ليأخذها إلى المستشفى، وكلما ذهب بها إلى طبيب أكّد له أنها لا تشكو من مرض عضوي، ومن شدة شعورها بالألم قرر الطبيب هذه المرة إخضاعها إلى مزيد من الفحوصات للتأكد، ثم ختم حديثه بـ: «الله يحوسها أشغلتني»!
اتسعت أعين السيدات على مقاعد الانتظار وتبادلن النظرات فيما بينهن بصمت يغلفه استنكار واضح، فرد عليه صاحب العكاز قائلاً، «الله يعينك، ما إن تمرض المرأة، حتى تنتهي صلاحيتها تماماً، ولا يجدي معها الطب».
ثم أكمل ليؤكد وجهة نظرة، «هل رأيت في حياتك فاكهة يصيبها العطب ثم تعود طازجة أو صالحة للأكل ثانية؟!»، قال له الآخر: «صادق» وضحك الاثنان بفجاجة.
وقفت إحدى السيدات بعصبية وراحت تكرر بصوت مسموع، «أستغفر الله العظيم» وهي تنظر للرجلين بقرف وتوجهت إلى آخر الرواق. ما أن اختفت حتى عادا يضحكان ويستهزئان بصوت مرتفع كلاً بامرأته مثل الأواني الفارغة.
فأردف صاحب العكاز قائلاً إنه ذهب بـ «عجوزه» في إحدى المرات إلى «التشليح» وأعادوها له، لأنها تعدت هذه المرحلة منذ زمن طويل، تحمس الرجل الآخر للتشبيه وتلفّظ بعبارات خارجة عن حدود الأدب في حق زوجة صاحب العكاز، وأخذ الاثنان يضحكان برقاعة حتى دمعت عيناهما.
نهض رجل كان يجلس أمامهما بجوار زوجته الحامل وهو يسدد لهما نظرات محتقنة، وقبل أن يتوجه نحوهما أمسكت زوجته يده بلطف ليتركا مكان الانتظار ويختفيا.
همهمت بعض السيدات باستياء، فقالت إحداهن بصوت خفيض: «ما في أحد يعطي قليل الحيا ذا على عينه».
وقبل أن تنفتح جبهة قتالية من مقاعد الانتظار، نهضت امرأة كانت تجلس بيننا، اكتشفنا فيما بعد أنها زوجته، فما أن رآها حتى نهض يسلّم على قريبه أبوالعكاز مودعاً، واعداً – وهو يغمز بعينه- بأنه من دون شك سيحذو حذوه ويذهب بخردته إلى «التشليح»، لينتهي اللقاء بضحكة مبتذلة أخيرة من الرجلين من دون أن يعرف الرجل الآخر أن زوجته بعد أن أنهت الأشعة ورأته مع قريبه أبوعكاز منحته بعض الوقت أدباً منها لينهيا حديثهما، وجلست تنتظر بيننا من دون أن تُعجله لتسمع من الإهانة والاستنقاص، مثلما سمعنا.
تقليل الزوج من أهمية واحترام زوجته أمام الآخرين لن يدمر نفسيتها فحسب، بل يحطم روحها المعنوية، ويجعلها تعتقد في كثير من الأحيان أنها لا قيمة لها في الحياة، فلا يدرك هذا النوع السيئ من الأزواج أنه في اللحظة التي يفتح فيها فمه ليتفوه بالسوء على زوجته أمام الآخرين تعتبر موافقة ضمنية تمنح الآخرين حرية الإساءة إليها برغبته ورضاه.
الشخص الذي يتحدث بسوء عن زوجته، سواء أكان جاداً أم مازحاً، لا يُحسب من الرجال، ولا يستحق الاحترام مهما كان تبريره، والرجل الذي يجاريه ويسترسل في القدح معه ويشجعه على مزيد من الإساءة لا يستحق الاحترام أيضاً، فإذا على حماية كرامة زوجته سيصون الآخرون كرامتها في حضورها أو غيابها، وإن أهانها أمامهم فبذلك يمنحنهم الضوء الأخضر للقيام بالمثل.
الإساءة للمرأة التي أنجبت وربّت أبناءهم، سواء أكانت حاضرة أم غائبة، هي إهانة لأنفسهم، وجرح لكرامتهم، وطعن في رجولتهم، هذا إن فرضنا أن مثل هؤلاء يعرفون من الأساس معنى الرجولة والكرامة.
صاحب العكاز وقريبه وأمثالهما، أنموذج لكل أجوف فارغ لا يدرك أهمية القيم الأساسية في الحياة، فلديهم استعداد لأن يُبْدوا من الخسة ما تخجل منه قلة الأدب التي مرت على البشرية جمعاء، من أجل إضحاك الآخرين أو تمضية وقت عبثي من دون حياء أو شعور بالذنب، مثل الأواني الفارغة التي تعتقد دائماً أن ضجيجها هو ما يصنع منها قيمة، والحقيقة عكس ذلك.