كشفت فعاليات منتدى السيدة خديجة بنت خويلد الذي كان بعنوان واقعية مشاركة المرأة في التنمية، عن حقيقة أن 25% من الشعب السعودي ينفقون ويعولون الـ75% الباقين وذلك بسبب تأخير توظيف النساء حيث تكمن المشكلة.
حين اتخذت الدولة جميع الإجراءات لتوظيف النساء لم تتوقع هذا العدد الكبير ولم تأخذ بالاعتبار كيفية المحافظة على من هم على رأس العمل في الوقت الحالي وتوفير جميع الحقوق التي تستحقها المرأة الموظفة للقيام بعملها والاستمرار فيه مع تقليل سن التقاعد لتحل مكانها أخرى موجودة في الوقت الحالي على مقاعد الدراسة.
فمثلا… واحدة من أكبر القضايا المطروحة في العديد من الشركات في المملكة عدم توفر حضانة لرعاية أبناء العاملات.
في الباب التاسع من نظام العمل تنص المادة 159 على أن كل صاحب عمل يشغل خمسين عاملة فأكثر عليه أن يهيئ مكانا مناسبا يتوافر فيه العدد الكافي من المربيات لرعاية أطفال العاملات الذين تقل أعمارهم عن ست سنوات، وذلك إذا بلغ عدد الأطفال عشرة فأكثر.
ولا يوجد حضانات سوى للموظفات العاملات في قطاع التعليم والتي تكون داخل المدرسة حيث تتوفر في معظم المدارس حضانة وروضة تسهل للمعلمات الاطمئنان على أطفالهن أثناء الدوام وبين الاستراحات.
ولكن في معظم الشركات والمؤسسات الضخمة التي يعمل فيها عدد كبير من النساء لا توجد تلك الحضانات وعلى سبيل المثال شركة أرامكو أكبر شركة بترول في المنطقة ويعمل فيها أكبر عدد من العاملات (من مهندسات وممرضات وطبيبات وتخصصات أخرى) لم توفر إلى الآن لعاملاتها أماكن لرعاية أبناء الموظفات اللاتي يقضين من ثماني إلى تسع ساعات عمل متواصلة يوميا.
للحفاظ على نفسية وبقاء المرأة العاملة سواء كانت أما أو لا.. ينبغي على الوزارة والحكومة تشجيعها وتنفيذ جميع النصوص والحقوق التي فرضها نظام العمل وتعديل بعض الأنظمة بما يناسبها وليس بما يناسب الرجل الذي يضع القانون.
فمثلا حين وضع الرجل القانون نص على أن المرأة التي يتوفى زوجها يحق لها أن تأخذ إجازة لا تتعدى سوى أيام قليلة… وهذه الأيام لا تغطي فترة الحداد التي فرضها علينا ديننا الإسلامي العادل، ولكي تأخذ المرأة حقها الديني لا بد أن يعطيها نظام العمل فترة حدادها كاملة كما هو منصوص في القرآن، فبالله عليكم أتنتظرون من الأرملة أن تمشي بقانون العمل أم بقانون الله في القرآن.
في العديد من الدول العربية بالإضافة إلى المملكة المرأة مطالبة بالخروج لإعالة أسرتها ماديا وفي نفس الوقت تربية الأطفال والتأكد من أن جميع أفراد أسرتها ينعمون بصحة جيدة، والاختيارات المتاحة أمامها لتوفير ذلك ضئيلة مقارنة بالفرص المتاحة لزميلها الرجل في العمل إذا كان في المملكة عدد كبير من النساء العاطلات اللاتي يحتاج المجتمع لتشغيلهن بناء على آخر الإحصائيات… فتحتاج الدولة إلى فتح العديد من الفرص لتهيئة العمل لهن وليس فقط من خلال توفير مواصلات، ولكن من خلال العمل على تأمين حياة طيبة لأبنائهن الذين لا تتخلى عنهم الأم العاملة في بلدنا، فالموظفة التي تأتي للعمل هي في الأصل ذات وظيفتين واحدة تنتهي بنهاية الدوام والأخرى مستمرة 24 ساعة متواصلة دون توقف، فمثلا حين يخرج الزوج إلى العمل يركز في عمله فقط، ولكن الأم العاملة تستمر مسؤوليتها كموظفة وكونها أما إلى مكان عملها فتتصل بين الحين والآخر لتطمئن على مولودها الذي تركته بين أيدي خادمة أو في حضانة خاصة أو حتى عند والدتها، وذلك غير الأبناء الموجودين في مقاعد الدراسة، الذين من مسؤولية الأم أن ترعاهم وتتابع جميع مشاكلهم سواء صحية أو دراسية، فتجدها تعود إلى المنزل تطبخ وتنظف وتدرس ومع ذلك تعاني من تأنيب الضمير المتواصل، لذلك فإن وظيفتها أصعب بكثير من وظيفة الرجل العامل، ولأن الظروف الراهنة تتطلب من الأم والأب العمل في آن واحد لسد تكلفة المعيشة اليومية، سنجد العديد من الأسر على الرغم من عمل الأم والأب ليس لهم مورد سوى راتب الوظيفة الذي لم يوفر لهم حتى منزلا “ملك” وبالكاد يغطي مصاريف الأبناء وإيجار شقتهم.
ومع ذلك لم تفعل الجهات المعنية ذلك المجهود الذي تطمح إليه كل امرأة عاملة من حوافز خاصة بها وخاصة بطبيعتها التي لا تقارن بالرجل، ولم يتفهم المجتمع حاجة المرأة للعمل وهاجمها واتهمها ونادى بعودتها إلى المنزل للولادة والتربية متناسيا حاجتها المادية للعمل، وكأن المجتمع سيتولى الصرف عليها وعلى أسرتها إن توقفت.
فإلى السادة المتشددين قبل أن نتهم المرأة العاملة بسبب عملها، انظروا حولكم وأنتم ترون كم من البيوت مفتوحة اليوم وتعيش على أجر تلك المرأة التي أبعدت عن العديد من المناصب التي نجحت فيها وتفوقت على زملائها الرجال ومع ذلك ما زالت مضطهدة وتعاني من التمييز في معظم قطاعات العمل المختلفة.
تحية إلى جميع السيدات العاملات في المملكة خاصة على صمودهن أمام المصاعب التي اعترضت طريقهن ولا يعرف مدى حجمها أو معاناتها سوى سيدة عاملة أخرى، وأخص بالذكر الأمهات العاملات اللاتي أبعدن من وظائفهن لمجرد حملهن، مع العلم بأن هناك قانونا للعاملات الحوامل، ولكن حتى في ذلك الظرف، لم تحصل المرأة على حقها الطبيعي في الحمل دون دفع الثمن من تأخير علاوة أو ترقية كان من المفترض الحصول عليها، ولكن صاحب العمل يحاسب العديد منهن ويجحفهن حقوقهن الاعتيادية لهذا السبب، ولا توجد لجنة تكشف ذلك.
ليس من العدل أن ينقص من حق الموظفة التي تظل على رأس العمل حتى الأشهر الأخيرة من حملها وعدم مراعاة أو تقدير العناء الذي تتحمله الأم العاملة.. حين تعود تاركة رضيعا عمره شهران ليس باليسير عليها فتقف أمام تعنت رئيسها وتبذل قصارى جهودها لتعويض غيابها أثناء فترة الأمومة لكي تعود في طابور من ينتظرون الترقية أو الدرجة. لذلك هناك عدد كبير من السيدات اللاتي أعرفهن جيدا تخلين عن سنوات من الخبرة والعمل بسبب عدم وجود أماكن لرعاية أبنائهن دون السادسة. وأخريات تعرضن إلى أسوأ أنواع الإساءة والتمييز والإقصاء عن برامج الابتعاث والتطوير والتعليم وذلك بسبب الحمل فقط، وأخريات بسبب تدني أجورهن التي يضيع معظمها في المواصلات ودفع أجر روضة أو حضانة يوميا والعديد من الهموم التي لا يعرف قيمة وحجم المعاناة فيها سوى العاملات من أمهات وغير أمهات.
فقبل أن نطلب من المرأة العاملة المشاركة في التنمية وزيادة الإنتاج، أعطوها شيئا من حقها وابنوا لها حضانة لأبنائها.
أكد وكيل وزارة العمل بنفسه أن بيئة العمل في السعودية ليست ملائمة بالشكل الكافي وأن الوزارة تعمل على تحسينها، لذلك أناشد الوزارة بالعمل على أخذ اقتراحات العاملات في جميع القطاعات وعدم تقرير أي جديد دون الرجوع إلينا كأمهات وموظفات عاملات في هذه الدولة.
أتمنى كما تتمنى المئات غيري من العاملات أن تسارع الحكومة والوزارة وتطالب جميع القطاعات الخاصة والحكومية والأهلية بتوفير حضانة لأبناء العاملات فورا وعدم تأخير ما نص عليه نظام العمل بموافقة عبدالله بن عبدالعزيز.
الحضانة تناسب وستحل العديد من هموم المرأة التي يرتكز معظمها على أبنائها حتى لو لم يكن ذلك يناسب الرجل لأنه سيبني وسيخسر أموالا طائلة، لا يهم المهم أن تطبق الحقوق كاملة.
إذا تم تحقيق مشروع إنشاء الحضانة ستجد الوزارة على الأقل وظائف كافية لـ176 ألف فتاة عاطلة وتحل نصف مشكلة البطالة وتصعد بالمرأة السعودية لتعزيز ثقافة العمل في المجتمع ورفع مستوى الإنتاجية.
الوطن: 23-3-2007