هاله القحطاني
  • الصفحه الرئيسيه

  • مقالات

  • إصدارات

  • من حافة المجرة

  • مُنع من النشر

  • أقلام صديقة

  • حوار

  • حكاية صورة

الموقع الشخصي للكاتبة هالة القحطاني

  • الصفحه الرئيسيه

  • مقالات

  • إصدارات

  • من حافة المجرة

  • مُنع من النشر

  • أقلام صديقة

  • حوار

  • حكاية صورة

لا أريد هذا الرجل

الوطن | 0 تعليقات

ملأ صراخي جميع أرجاء المنزل وهو يجرني من شعري بكل وحشية متنقلاً بي من غرفة إلى غرفة… وكأنه يكتفي حين تمتلئ الغرفة بصراخي وبكائي فينتقل إلى غرفة أخرى.

حين سحبني كالشاة إلى غرفة الطعام، خارت قواي من شدة الألم فلم أستطع مقاومة صفعاته وركلاته الوحشية التي انهالت علي من كل جهة وبدأت أبكي وأصرخ بكل ما تبقى لي من قوة… صرخت كالمجنونة يكفي… يكفي.. ولكن من دون جدوى. لم يكتفِِ وكأنها جرعة محددة يعرف هو فقط معيارها ومتى يقرر أن يتوقف، ولا يهم إن سال دمي، المهم النشوة التي يشعر بها أثناء الضرب.. كنت أراها في عينيه كلما تألمت وكلما بانت آثار ضرباته على وجهي وجسدي. سقط نظري على وجه جارتي الفضولية في المنزل المجاور… كانت تطل من خلال النافذة المفتوحة على مصراعيها وتكشف بيتنا بكل وضوح كشاشة سينما! تنظر بكل فزع وعينيها تحمل كل معاني الخوف والرعب، لم تتمالك هي الأخرى نفسها وكأنها تشاهد فيلم مرعب لا تستطيع إيقافه وبدأت تصرخ منادية زوجها (ديفيد … ديفيد… النجدة.. المرأة في المنزل المجاور تتعرض للاعتداء… اتصل بالشرطة!) جاء زوجها ورأى المنظر نفسه.. فأخذ يصرخ في زوجي بغضب قائلاً: توقف.. توقف أيها الرجل الهمجي! ثم اختفى… شعرتُ بالخجل لأنهم رأوني وأنا أُضرب… كلها ثوانٍ معدودة… سمعت بعدها أصوات سيارات الشرطة تقترب.. وبعدها كان هناك طرق عنيف على باب المنزل.. تسَمر زوجي في مكانه قليلاً.. ثم ابتسم لي بكل وقاحة… وكأنه كان يمزحُ معي منذ قليل…. فتح الباب متظاهراً بالاستغراب سائلاً: «ما الذي يحدث… كيف أستطيع مساعدتكم؟» ثم سمعت أصوات أسلحتهم وهم يشهِرُونها في وضعية الاستعداد… رد عليه الشرطي قائلاً «ارفع يديك..أنت رهن الاعتقال.. وأي كلمة تتفوه بها سوف تؤخذ ضدك في المحكمة، أين زوجتك»؟ وسمعتهم ينادونني «سيدتي.. إذا كنت تستطيعين سماعي أخرجي في الحال» قال زوجي وقتها: «زوجتي نائمة.. ولا يحق لكم التدخل في شؤون الآخرين.. ثم أنا دكتور معروف وستدفعون ثمن تدخلكم هذا». دفعه الشرطي نحو الحائط وكبله، وأمره أن لا يتحرك، تمنيت أن يضربوه حتى الموت تلك اللحظة… كنت أختبئ بجوار الدولاب في غرفة النوم ارتجف من الألم والخوف… زحفتُ بجوار الكرسي وسحبتُ وشاحاً غطيت به شعري الذي ذهب نصفه في يديه، وطللت عليهم من خلف الباب بعينٍ بنفسجية وأنفٍ أزرق ينزف من دون أن أشعر… لم أدرك مدى بشاعة منظري إلا بعد أن شهِق الشُرطي قائلاً: يا إلهي! دفعوه على الفور نحو الأرض فتشوا جيوبه وسحبوه إلى سيارة الشرطة… كم أحببت هذا المنظر وكم أحببت جارتي الفضولية التي كنت أمقتها حين اتخذت قرار إبلاغ الشرطة.. وكم أحببتُ زوجها ديفيد الذي شَهِد على الواقعة بكل شجاعة حين قال: «لقد رأيت هذا الرجل منقضاً على تلك المرأة بكل وحشية يكاد يقتلها ويدق رأسها في جدار غرفة الطعام تلك.. فطلبت من زوجتي أن تتصل بالشرطة والإسعاف حين رأيت الدماء تنزف من رأسها.. وطرقت بابهم لكي أدافع عنها ولكنه لم يفتح».

يالله.. لقد حاول ذلك الغريب أن يدافع عني وينتشلني من بين مخالب ذلك الوحش.. وهذا هو اللقب المناسب الذي ينطبق عليه! اقترب الشرطي مني ورأيت نظرة تعاطف في عينيه وهو يسألني: «سيدتي..هل أنت بخير.. هل تستطيعين الرؤية بوضوح»؟ وناولني كأساً من الماء الذي كان ألذ شيء أتذوقه وقتها.. ما أن تناولته حتى شعرتُ بانعدام مفاجئ للجاذبية الأرضية، ولم أشعر بنفسي إلا وأنا ممدة في سيارة الإسعاف.. أحببت كل ذلك الاهتمام والدقة لدرجة أن فاضت عيناي بالدموع مجدداً. توقف الضرب أخيراً وهناك من يحاول أن يخفف عني ويواسيني؛ كان ذلك الغريب في بلاد الغربة أحن علي من زوجي وابن بلدي!

دخلت المستشفى وأعتقد الجميع بأنني ضحية حادث طريق.. فتعاطفوا معي بشكل ملحوظ حين عرفوا حقيقة الإصابة التي تعرضت لها. اقترب أحدهم يفحص عيني… وهذا كان يخيط رأسي… وهذه كانت تطهر الجرح الغائر في بطني..وأخرى تضع محلولاً في وريدي. كم أحببت كل هذا الاهتمام… كم أحببت وجودي بين هؤلاء الناس. شعرت بالأمان بين أيديهم وتذكرت كم كنت بعيدة عن أهلي وإخواني… حينها شرعت ببكاء متواصل… لا أدري ماذا أفعل… فبكيت حتى أحسست بغرز إبرة في ذراعي! في اليوم التالي استيقظت على صوت الطبيب الذي كان يعطي تعليماته ببقائي في المستشفى عدة أيام لاستكمال العلاج… ولكن للأسف.. نعم للأسف… خرجت ضد نصيحة الطبيب، لأنني كنت أعلم أن وجودي عدة أيام سيعرض زوجي للمحاكمة والسجن، وكعادة بنات الناس في بلدنا تنازلت وسحبت القضية، وتجاهلت نصيحة الشرطي حين قال «اتركيه يدفع ثمن ما ارتكبه في حقك… إن لم يعاقب على فعلته سيعاود الكرة». شرحت له بأنه والد أولادي… وعاداتنا.. وتقاليدنا… وسذاجتنا… وحماقتنا… والأشياء العقيمة التي تحتم على أي إنسانة في موقفي التنازل؛ تفلسفت قليلاً وابتسمت كأن كل شيء أصبح على ما يرام؛ فقال الشرطي مُعقباً على كلامي «أنت امرأة شجاعة» لم أفهم مغزى تلك الكلمة إلا بعد فتره قصيرة.

عدت إلى أرض الوطن بجراح مازالت تنزف وبقلب يعتصره الألم ممزوجاً بالخوف من المستقبل ومن مجتمع تُعاقب فيه المرأة حتى لو كانت على حق.. وفي أول اختلاف بيننا بسبب فنجان شاي لم أزن حرارته بشكل يُمكِنه من ارتشافه بسهولة.. انهال علي ضرباً وبصقاً وسباً. ولأنه يضرب في أرضه، قال حين بدأت أبكي وأصرخ «لنرى من سيخلصك من قبضتي الآن»؟

في هذه اللحظة تذكرت ماذا يعني الشرطي حين قال إنني امرأة شُجاعة، كان قصده حمقاء بلا شك؟ تعذر له الجيران حين سمعوا صوت استغاثتي، ولامني أحدهم وقال «دعوه يكسر رقبتها فضحته بصراخها الذي يملأ الشارع»، وكأنني كنت أشدو بموال يا ليل يا عين.. وليس له علاقة بكمية الألم الجسدي الذي كنت أتعرض له. في آخر حادثة اعتداء رآني أكبر أبنائي… بعد تلك النظرة لم أستطع أن أتحمل يوماً آخر… نظر إلي بحُزنٍ شديد وكأنه هَرِم فجأة… شعرت بأنه يلومني لأنني مستمرة في الحياة مع ذلك الوحش، ولأول مرة أشعر بالذنب لأنني عرضت أبنائي لكل ذلك العنف الذي كنت أتلقاه من أبيهم. ما ذنبهم أن يروا ويعيشوا وسط كل هذا الألم؟جمع قوته وقال لأبيه يكفي يا أبي… توقف… لقد كبرنا وأنت مازلت تضرب أمي دون رحمة… يكفي … ورمقه بنظرة لا أستطيع نسيانها، نظرة معناها نهاية علاقة ابن بأبيه، نظرة تحمل كمية كبيرة من الكُره والبُغض. وعندما حاول أن يُخلِص شعري من بين أصابع أبيه ليُبعده عني، انهال عليه بالضرب وأزاحه جانباً كالريشة، وسحبني مجدداً من شعري لكي يكمل مشروع التخرج (كيف تُشرِّح زوجتك!)… وشَرّحني فعلاً!

بعد حادثة الاعتداء تلك، قررت رفع قضية طلاق من ذلك الوحش الذي رفض أن يُطلقني وحبسني على ذِمته 24 عاماً مع الأشغال الشاقة، ومنذ ذلك الوقت لم أر يوماً سعيداً.. كل الأيام أصبحت سوداء.. وبعضها لم يكن له حتى أي لون محدد !

رفع ذلك الرجل ضدي جميع أنواع القضايا ولفق لي العشرات من التُهم التي كانت تأتيني للأسف من جميع أجهزة الدولة من دون تحقيق أو تدقيق لمعرفة الهدف من كل هذه القضايا الكيدية أو حتى ربطها ببعضها البعض. استغل كل ثغرة موجودة في القانون وفي النظام استغلالاً سيئاً للغاية من أجل تأخير القضية بكل الأساليب الملتوية، مجنداً قوته في الكذب والغش والتزوير والقَسم الزور، لمجرد أن ينتصر في النهاية ولا يطلقني ويُعلقني لكي أتعذب عذاباً من نوع آخر!

احتال احد الأيام كذباً على أحد القضاة حين لم يحضر الجلسة للمرة العاشرة بأنه سافر إلى ألمانيا لكي يُعالج والدته، وظهر أمامهم بأنه الابن البار بوالدته، وأبرز بطاقة صعوده الطائرة التي تشير أنه كان متواجداً في بلدة محلية مجاورة! اكتشفت بعدها أن في المحاكم بعض القُضاة لا يقرأون اللغة الإنكليزية، واكتفوا بإفادة ذلك الرجل من دون الحاجة للتأكد من البطاقة، ولأنه طبيب لم يصدِقونني حين قلت إنه وحش في ضربه وسيء المعشر، وشككوا في صحة كلامي.

أخذت قضيتي أكثر من ثلاث سنوات وحتى الآن لم تنتهِ. أخذت بالتنقل من محكمة صغرى لمحكمة كبرى… تتخللها بعض الفقرات الترفيهية من قضايا صغيرة كانت تتعاقب من شرطة المنطقة الشمالية نزولاً بجميع الأقسام، حتى شرطة المنطقة الجنوبية… ومن إمارة المنطقة.. إلى الجوازات… ومن أحوال مدنية إلى حقوق مدنية ..الخ ، ثم نعود لبرنامج السهرة من جلسة إلى جلسة. وفي كل مرة لا يُصدق القاضي أن كل تلك القضايا الكيدية المصاحبة لقضيتي سببها طلبي للطلاق!

في أحد الجلسات أخرج أحد القُضاة إخواني من القاعة، في بادئ الأمر اعتقدت أنه يريد أن يسألني سؤالاً شخصياً… ولكنني فُجعت حين وبخني قائلاً لماذا لا تعودين لزوجك «يا مَرَة» لماذا تُصرين على الطلاق، هل تريدين أن تفعلي ما تشائين، ثم ما المشكلة حين يضربكِ قليلاً… ألا تعرفين بأنه يحبك… وأنتِ في الأصل لا تستحقين ذلك؟

لم يكن هذا القاضي الوحيد الذي يُغلف نصائِحه بالإهانة، بل مررت من خلال قضيتي بأكثر من قاضٍ ومسؤول أحبطني وحطم معنوياتي، وكأنهم كانوا يقولون لي تستطيعين الموت ولكن ليس الطلاق من هذا الرجل لأنه اشتراني وأنا ملكه وليس لي في الأمر شيئاً!

حين تزوجت كان قرار الموافقة ملكاً لي، وحين طلبت الطلاق متضررة اعتقد الجميع أن له الحق في تحديد مصيري… كان القاضي الأخير في منتهى القسوة، وبخني أكثر من مرة لمجرد أنه مثل أمامه يبكي بدموع الثعابين وليس التماسيح لأنها أصبحت تنكشف بسهولة، هَالهُ منظر أن يبكي زوجي أمامه وَيدعي بأنه يحبني ويريدني… فتأجلت قضيتي للمرة الـ 65.

حتى آخر يوم في حياتي سأظل أطالب بحقي في الطلاق على الرغم من الإهانة، على الرغم من الظلم، وعلى الرغم من قوتهم وضعفي. سأظل أصرخ دائماً: لا أريد هذا الرجل.

الوطن: 8-8- 2006

أرض النفاق
وكأن المرأة ناقصة زيادة هم !
468

أرسل إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بتقنية مهارتي | ووردبريس

حميع الحقوق محفوظة للكاتبة هاله القحطاني

تطوير منصة اعمالي من مؤسسة تنامي ©