هاله القحطاني
  • الصفحه الرئيسيه

  • مقالات

  • إصدارات

  • من حافة المجرة

  • مُنع من النشر

  • أقلام صديقة

  • حوار

  • حكاية صورة

الموقع الشخصي للكاتبة هالة القحطاني

  • الصفحه الرئيسيه

  • مقالات

  • إصدارات

  • من حافة المجرة

  • مُنع من النشر

  • أقلام صديقة

  • حوار

  • حكاية صورة

… في جُنح الظلام!

الشرق | 0 تعليقات

وضعت أذنها على باب الغرفة، فلم تسمع سوى صمت يعم أرجاء المنزل، مدت يدها لتمسك مقبض الباب فتعالى صوت دقات قلبها كالطبول ليتداخل مع إيقاع أنفاسها المتسارعه لتعزف مقطوعة «خوف» وليدة اللحظة.. فتحت الباب بهدوء وأخرجت رأسها وأدارت عينيها في الظلام الحالك الملفوف بصمت يخترقه هدير المكيفات، حملت حقيبة صغيرة الحجم واحتضنتها وهي تكمل طريقها معتمدة على إضاءة الشارع التي كانت ترسل بصيصاً من نور يتسلل من نافذة صالة البيت، تزايد صوت أنفاسها من شدة الهلع الذي سيطر عليها، وكأنها ريح تعصف بداخلها وتمزق رئتيها اللتين بدأتا التشنج، وضعت يدها على باب الشارع وأدارته وخرجت بسرعة وأغلقته بهدوء دون أن تلتفت وراءها، وانطلقت تعدو بكل ما أوتيت من سرعه وقوة، وكأن أحدًا يُطاردها بسكين، لم تكن تلك المرة الأولى التي تهرب فيها، ولكن هذه المرة تعرف جيداً أنها مختلفة عن المرات السابقة لأنهم لو وجدوها ستكون نهايتها… استمرت في الركض في أعماق شوارع يملؤها الظلم والظلام تتمنى أن تجد خيطاً من نور تتوجه إليه، ولكن لم تر سوى نفسها وهي تهرب للمرة الأولى، بعد أن عادت في يوم من مدرستها لتجد أباها الذي لا يسكن معهم يخبر أمها بأن هناك من سيأتي ليتزوجها نهاية الأسبوع، وأخرج من مظروف كان في يده حزمة كبيره من المال لم تر مثلها من قبل، صورة أمها ترفض أن تفارق مخيلتها وهي تتجادل معه، تطلب منه بعصبية أن يعطيها نصف المبلغ، وكان الأب يتمنع ويقول: الربع، وهي مصممة أن تأخذ الحصة الأكبر، واستمرت في تذكيره بأن ذلك المبلغ لا يساوي شيئا مقابل حملها في بطنها شهرا واحدا فكيف بتسعة أشهر! فوضع الأب في يدها نصف الحزمة على مضض، ثم سألته دون خجل عن قيمة الهدايا التي سيجلبها العريس لأم العروس، في تلك اللحظه احتدم الجدل بينهما فأخذ يوبخها وينعتها بالقبح والطمع ثم غادر المنزل، لا تتذكر أن أمها احتضنتها يوماً ولا تدري لماذا والداها في خلاف بشكل دائم، ولا تدري لماذا في نهاية أي خلاف بينهما كانت تتعرض لتحمل المسؤولية، كبُر معها الشعور بالذنب منذ نعومة أظافرها إلى أن أصبحت تكره نفسها لأنها سبب شقاء والدتها وعذاب والدها، وأصبحت عبارة «كله منكِ» لا تفارقها، تشعر بأنها سبب شقاء العالم ولكن لا تدري كيف أو لماذا! ولم تعرف فتاة الـ14 ربيعاً ماذا تفعل سوى الهروب إلى بيت جدها أول مرة، الذي لم يستمع إلى مخاوفها أو يحاول أن يمسح دموعها بل أعادها إلى المنزل ونصح أمها بسرعة تزويجها، سقطت مريضة بعد أن أعيتها حمى شديدة وكأن القدر كان يمهلها، وحين استردت عافيتها دخل عليها رجل مُسن وسحبها من غرفتها أمام أمها التي قالت: «لا تُغضبي زوجك وأطيعيه» فوجدت نفسها تسير معه إلى أن أدخلها إلى سيارته وانطلق بها، وفي الصباح الباكر من اليوم التالي لوصولها بيت زوجها أطلقت ساقيها للريح وهربت للمرة الثانية، وبعد عدة أسابيع تم العثور عليها تتسول في أحد الاسواق التجارية، لتوضع في دار الملاحظة (الحماية) حيث ظلت هناك ما يقارب السنة عانت فيها عذابا من نوع آخر، قرر والدها استلامها بعدما توسط لها جدها عند والديها، اعتقدت بأنهم عطفوا عليها وقرروا أن يضعوا حدا لمعاناتها، ولكن مساء عودتها التي شهدت فيها أكثر من (علقة ساخنة)، سمعت والدتها تتحدث إلى زوجها في الهاتف توعده بأنها ستعيدها إليه في الصباح بعد أن ترتبها وتجهزها له!
أعياها التعب فتوقفت في زقاق ثم بدأت الدموع تنساب من عينيها حين تذكرت ماذا فعل بها أهلها حين تسلموها من دار الملاحظة، وأخذت تبكي وتبكي إلى أن جف الدمع من عينيها، توقفت أمام مستشفى، فركضت إلى دورة المياه وألقت بجسدها المتعب على الأرض وأسندت رأسها للجدار وذهبت في نوم عميق، وحين استيقظت انطلقت مرة أخرى إلى الشارع كالمجنونة تمشي في الطريق السريع دون أن تنظر آملة أن تصدمها سيارة تنهي معاناتها، وظلت تتنقل من سوق إلى مجمع إلى غرف انتظار للسيدات في مستوصفات لتنام بها أحياناً، وفي مرات أخرى كانت تضطر للنوم داخل دورات المياه وإغلاقها من الداخل بعد مغادرة العاملات منها، وفي النهار تنتقل إلى صالة المطاعم في المجمعات التجارية تراقب الطاولات التي يتركها المتسوقون لتسارع بأخذ ما تبقي من طعامهم قبل أن يلقى بها عمال النظافة في القمامة، من المؤكد أن الكثير منا رآها ولكن لا أحد يعرف حقيقة ذلك الوجه البائس، أو كيف هربت في جنح الظلام وكيف ستهرب دائماً كلما تسنح لها فرصة، طالما كل ما أصابها من ظلم في السابق لا يكفي لكي تُعاد كل مرة إلى دار الملاحظة أو الحماية لتتجرع مزيداً من الألم وتوصم بالعار وهي في الأصل لم ترتكب أي جريمة، مازالت قوانين الحماية ضعيفة جداً ودون المستوى مقابل الجرائم التي تحدث خلف الأبواب، وأقترح على وزارة الشؤون الاجتماعية أن يتم العمل على دعم وتجهيز دور الحماية وتفعيل واجبها وتسليحها بالقانون والقوة والصلاحيات الكافية قبل أن تصبح هذه الدور أحد الأسباب الرئيسية في تعذيب مزيد من الصغيرات!

تاريخ النشر : 29-02-2012

المصدر : https://www.alsharq.net.sa/2012/02/29/145133

الشاكي الباكي
«ليلى الحربي» وفراشات الروضة
468

أرسل إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بتقنية مهارتي | ووردبريس

حميع الحقوق محفوظة للكاتبة هاله القحطاني

تطوير منصة اعمالي من مؤسسة تنامي ©