تعلمنا أن «الحرية» في المفهوم الإسلامي هي ما يميز الإنسان عن غيره وتمكنه من ممارسة أفعاله وتصرفاته بإرادة واختيار، من غير قسر ولا إكراه ضمن «حدود معينة»، تحافظ على تحقيق الصالح العام وتجنب الإفساد والإضرار بالآخرين.
ومنذ العصر النبوي والناس يمارسون حقهم في إبداء الرأي بالقول والكتابة وغيرهما، واستمر ذلك في عصر الخلافة الراشدة وعصر التابعين، وتلاحق حتى عصرنا هذا، ليكفل بذلك الإسلام حرية التعبير عن الرأي، سواء أكان بالقول أم بالكتابة أم بالنشر أم بالرسم، أم بأي وسيلة مبتكرة للتعبير.
وقامت الدولة مشكورة بتعزيز وتوضيح هذا المفهوم في أكثر من مناسبة، حين أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز الترحيب بالنقد والاختلاف في الرأي في أكثر من لقاء مع المواطنين.
والخلاف في الرأي حق فطري من حقوق الإنسان في أي مجتمع، وأمر طبيعي لرصد الخطأ والصواب بأعين مختلفة، يحدث أثناؤه عادة تقييم ومراجعة شاملة للمواقف والآراء المطروحة والتي تكشف عن نقاط خفية وزوايا مظلمة لم تكن في الحسبان.
ومع كل هجمة على المملكة ينشط الجميع للدفاع عنها بشكل لا إرادي، وهذا ما تعلمناه من المواقف القاسية التي تعرضت لها بلادنا، حتى بتنا نتكهن بالفترات التي من الممكن أن تتعرض فيها الدولة لهجمة جديدة لتخريب اتفاقاتها الدولية وتشويه أهدافها الحقيقية ومكانتها، خاصة بعد أن فشلت جميع المحاولات السابقة التي كانت تهدف لشق الصف وإثارة الفتن والخلاف بين المواطنين.
لقد شهد مجتمعنا في فترات ليست بالبعيدة من تعدي فئة متشددة على الحرية الشخصية للآخرين، حين مارسوا التنمر لإخضاع الناس لقناعاتهم، فلا يمكن بعد أن تجاوزنا تلك الممارسات أن تظهر فئة تتنمر على الآخرين، فقط لأنهم يحملون نوايا طيبة من منبع الولاء وحب الوطن والدفاع عنه، خاصة أثناء الهجمات التي تتعرض لها المملكة، نتفهم الهدف النبيل وراء دفاعهم، ولكن يبدو أن الحماس دفع فريقاً من تلك الفئة لدرجة سمحت لهم بتكييل تهم الخيانة، لمن لا يتفاعل معهم بنفس المستوى والأسلوب الذي يتوقعونه.
ولأننا خلقنا مختلفين، من الصعب أن تجد اثنين يعبران عن موضوع واحد بنفس الطريقة أو الأسلوب والمفردات، سنظل دائماً متفقين على حب الوطن ولكن مختلفين في التعبير عنه، كل له أسلوبه بحيث يصحح الأكاذيب على طريقته الخاصة، ومن يعتقد أن تكثيف التواجد على وسائل التواصل واجب وطني أيضاً فهو خاطئ، لأن هناك من يعتقد أن واجبه الوطني رفع مستوى جودة عمله وأدائه والإسهام في تحقيق أهداف الدولة. لذا، لا يمكن يُوصم بعض من يعمل بصمت بالخيانة، لأن الخيانة ليست مجرد كلمة بسيطة، بل جريمة.
لا يحتاج الناس للاستعراض بـ «صخب» ليقنعوا آخرين مثلهم بأنهم يحبون بلدهم ويدافعون عنه خوفاً من أن يتم اتهامهم بالخيانة، فما يحدث أحياناً لا يخدم الدولة، بل يسيء إليها حين يبالغ البعض في الشتم واستخدام الألفاظ المعيبة، ثم يصفق له آخرون إنجازه ويتم إيهامه بأنه قام بدور البطولة!
حرية الفكر والتعبير حرية مطلقة لكل إنسان، في كل الأديان والشرائع والقوانين الوضعية، ومقيدة دائماً بقيود معينة أهمها عدم الإضرار بالآخرين. فلا سبيل لفئة بمصادرة حق الآخرين في التعبير، وهم يعطون أنفسهم مطلق الحرية في آن واحد، فكل إنسان حر في تفكيره وتأملاته وقناعاته، سواء في قضاياه الخاصة أم العامة، وكل إنسان بمقتضى فطرته واستقلال شخصيته يملك ذاتاً تقوم بمحاكماته العقلية بينه وبين نفسه، فإذا فقد المرء قيده الداخلي الذي ينبعث من صميم نفسه لينبه بتجاوزات خارجة عن تحكيم العقل والضمير وليس من الحياء، سيواجه قيدا خارجيا ينظمه القانون بسبب ضعف قيوده النفسية الداخلية.
نحن شركاء في هذا الوطن، ونتمنى له الرفعة والحضارة والتقدم في كل شيء، حتى في طريقة التفكير وتقبل الاختلاف. وسنظل مختلفين في كل شيء حتى في طريقة التعبير عنه، ولكل منا حرية ترجمة هذا الحب بناء على قدرته. الأهم أن نميز بوضوح ذلك الخيط الرفيع الذي يفصل بين حرية التعبير والتعدي على حدود الآخرين.
فحرية التعبير حق إنساني يكفله القانون، والتعدي على حرية الآخرين جريمة أخلاقية ضد القانون، واتهام البعض للآخرين بالخيانة ليس حرية تعبير، بل جريمة فادحة يعاقب عليها القانون. فالحرية ترتبط دائما بحجم المسؤولية التي يشعر بها صاحبها، تجاه تصرفاته وحدوده مع الآخرين.

